الصراع الناشب بين محور إيران ومحور السعودية ما من شك أنه طائفي ومذهبي ، لكن هل هذا هو البعد الوحيد لهذا الصراع؟
طبعا لا وألف لا .
لا أحد يمكن أن ينفي أن معطيات جديدة أفرزها ما يسمى بالربيع العربي يوم أجهض هذا المسار التحرري بتدخل سافر للقوى الرجعية وعلى رأسها دول الخليج التي تتوجس من الديمقراطية وحقوق الانسان ، وقد يقول قائلا أن إيران والنظام السوري والحوثيون في اليمن هم بدورهم معادون للديمقراطية وحقوق الانسان ، وهذا كلام صحيح ، لكنه وجه واحد للعملة.
لقد كان فيما مضى عندما يصاب اليساريون بالغموض وهم يتابعون تطورات أحداث الشرق الأوسط يقومون بالاستعانة بأفكار التنظيمات التقدمية المنخرطة في الصراع هناك، لا سيما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية ومنظمة العمل الشيوعي في لبنان بقيادة محسن إبراهيم أنئذ والحزب الشيوعي اللبناني .. واليوم ماذا يقول هؤلاء عن محور إيران التي تعد البلد الوحيد في العالم التي تمد الفصائل الفلسطينية بالعتاد والسلاح ولم تتخل يوما عن مناصرة القضية الفلسطينية ، بعد أن تواطئ العرب بمختلف الأشكال من أجل تصفيتها وإبادة الشعب الفلسطيني وقواه التحريرية .
سيكون من الجحود أن نضع محور السعودية في نفس مقام محور إيران ، لأن تداعيات الأزمة السورية ، إن كان لها من تداعيات إيجابية ، أنها أفرزت محورا جيو–استراتيجي تقوده عدد من الأنظمة الوطنية والقومية المعادية للامبريالية والنفوذ الغربي بقيادة روسيا التي بدأت تنهض من تخلفها وتستعيد مكانتها جزئيا على الخريطة الدولية ، بعدما وقفت سدا منيعا في وجه التغلغل الغربي في أكرانيا. صحيح أن روسيا ليست هي الاتحاد السوفياتي سابقا كما أن الصين ليست صين ماوتسي تونغ ، ولا احد يدعي ذلك .
وبكل وثوقية يمكن لي أن أقول أن محور روسيا هو الذي منع التغلغل الامبريالي في الشرق الأوسط وإلا لما تمكن النظام السوري من الصمود في وجه أقوى العصابات شراسة في التاريخ البشري الذين جيشتهم دول الخليج لمحو هذا الشعب من الخريطة السياسية ، وسوريا على أية حال لم تكن أكثر ديكتاتورية من الأنظمة الخليجية وشأن النظام الاستبدادي الفردي يهم بالدرجة الأساسية الشعب السوري ولا يهم السعودية باعتبارها آخر دولة في العالم يمكن أن تتباكى على مأساة هذا الشعب .
ولعل التدخل العسكري في اليمن هو امتحان عسير للمحورين معا ،يتعدى النطاق الجغرافي لبلد اليمن نحو محاولة السعودية وحلفها رسم خريطة عربية جديدة ، في ظاهرها يمكن أن نرى فيه ما يفيد تغذية الأطروحة المذهبية التي تستند في تعبئتها على مواجهة النفوذ والمد الإيراني الشيعي باعتباره يافطة يلتقي حولها جل الأصوليون سواء أولئك الذين يحكمون أو يتزعمون معارضات في بعض الدول .
لكن المعادلة الصعبة التي لا يغفلها المهاجمون ، بعدما أصبح خيارهم الوحيد هو المغامرة في صراع لا نهائي قد يفرز سياسة الأرض المحروقة ويزيد في تقوية النفوذ الإيراني نفسه ،خصوصا أن ما يسمى بعاصفة الحزم يقابلها حزما شعبيا وعسكريا حقيقيا على الأرض لا تضاهيه أي قوة من حيث القدرة على الاستشهاد من أجل نصرة حقوقها.
ولنا أن نقول كلمة ربما قد لا تعجب الكثيرين من السياسيين ، أليس حزب الله الذي اندمج تحت مقاومته عدد من الشيوعيين وعلى رأسهم سمير القنطار ، هو التنظيم السياسي والعسكري الوحيد ،إذا هدد نفذ وإذا وعد وفى، لدرجة أنه نال احترام الأعداء قبل العرب، هؤلاء الذين عندما يتحدثون ويهددون ، لا سيما الرسميون منهم ، تنعي لغتهم وتكره لسانهم من شدة نكث الوعود وخيانة الأمانة ؟ أليس هذا التنظيم ، بصرف النظر عن مذهبيته المحافظة ، جديرة بتقليد الأخلاق النضالية التي يتصرف بها مناضلوه ، وأقصد بالضبط ثقافة الحزم والإصرار والمواجهة والتضحية من أجل مبدأهم ..ألم يكونوا يساريو السبعينات وحتى الثمانينات قدوة ومثلا يحتذى قبل أن يبرز للوجود حزب الله ، لكنهم تخلوا عن ثقافتهم وأخذها غيرهم ،وصاروا ينتجون نوع من التبريرية والذرائعية لدرجة أنهم عجزوا عن بناء تنظيمات حازمة في مواجهة الاستبداد ، وكيف يمكنها أن تصل إلى هذه الدرجة وفي داخلها من المتناقضات والمفارقات ، ما يجعل البعض يتفانى من أجل بناء هذا التنظيم وآخرون يساومون تحت الطاولة !
فكل إنسان ما زال يحمل في وعيه شيء من الضمير السياسي الديمقراطي، لا يمكن له إلا أن يكون مدينا لمحور المقاومة ويتمنى أن تنهزم القوى الرجعية شر هزيمة في المستنقع اليمني ! لأنه ببساطة كل من يؤمن بالدولة العلمانية عليه أن يؤمن بالحق في التعايش لكل المذاهب السنية والشيعية والكردية والدرزية وغيرها ، وبالتالي لن يسقط في فخ ما يسمى بالنفوذ الشيعي للارتماء في أحضان محاور رجعية تتباكى على التهديد الذي يواجهه مذهبهم السني لممارسة أبشع أشكال ذبح الديمقراطية وحقوق الانسان.
علي بلمزيان






























