عادل المرابط
لا شك أن علاقة الريف بالمركز ظلت ولعقود محط سوء فهم كبير تولد عنه نفور وصدامات غدتها أحداث مؤسفة، في ظل ابتعاد نخب الريف عن تناول هذا الموضوع بشكل دقيق وشامل مع بعض الاستثناءات القليلة… مفضلة نهج الحياد السلبي أو البحث عن مصالحها الاقتصادية والسياسية مبدية عدم الاكتراث الفعلي بمصير أجيال من أبناء الريف، ومفضلة الانخراط أحيانا في مشاريع أحزاب ونقابات المركز، لكن هذه الأخيرة تنظر إلى الريف كهامش ومجرد قاعدة انتخابية وتعبوية موسمية عند الحاجة، فصغرت في عين أبناء الريف الذين اعتبروها مجرد “دكاكين سياسية” لبيع الوهم.
بادئ ذي بدء لابد من تحليل ومحاولة تفكيك هذه العلاقة والبحث عن الأسباب الكامنة وراء هذا التشنج المعقد والذي أرخى بظلاله على أجيال متعاقبة دون تصدر نخب الريف لهذا الأمر. في محاولاتنا هذه سنغوص في التاريخ ونستحضر حججه ووقائعه لتكسير هذا الجليد خدمة للريف وللوطن ككل وهو ما سنحاول وسمه بالمغرب الريفي: أي ان الريف جزء أصيل ولا يتجزأ من هذا الوطن الذي يسمى المغرب الأقصى على مستوى التراب والمجتمع رغم الخصوصيات المحفوظة عبر التاريخ كهوية محلية ضمن الوطن الواحد.
دفعنا لطرح هذه الأرضية كخلاصة لنقاش وتأمل دام زهاء عقد من الزمن، وحاز القبول، هو محاولة لتصحيح المسار بحكمة كفن لجلب المصالح ودفع الأضرار. وهذا الاهتمام نابع من حببنا لهذا الريف حتى صار جزء من كياننا بل وصار يسكننا كما نسكنه، شربنا من ماء وديانه وعناصره (عيون عذبة في الواد) وتنفسنا هواءه وأكلنا ثماره وتمرغنا ونحن صغار في ترابه…حبنا للريف لا ينقص من حبنا للوطن ككل إنه المغرب الريفي نحن منه وهو منا وان كان للريف خصوصية كباقي جهات المغرب بالنسبة لسكانه وقبائله وخصوصيته الثقافية واللغوية…
سنجعل من هذا المدخل مقدمة لهذه الورقة أو الوثيقة التعاقدية والتي نروم منها ان تكون أرضية مشتركة للنقاش الأفقي بين أبناء الريف خاصة والمغرب ككل، وورقة للترافع العمودي مع مراكز القرار لتذويب هذا الجليد المتراكم وتأسيس منار للوطن الأخوي الوحدوي: “وحدة الوطن” وذلك بعد نقاشها وتداولها وتوقيعها الكترونيا من عامة وخاصة أهل الريف وعموم المغاربة باعتبار القضية هم مشترك ومصير واحد لمغرب واحد موحد، في ظل ثوابته الدستورية الأربعة المتعاقد حولها والناظمة لحقوق وواجبات الجماعات والأفراد.
يملك الريف نخبة متعلمة ومثقفة بارعة في مجال تخصصها، يمكن أن تسهم في خلخلة هذا الملف والاسهام في النقاش الأفقي والترافع العمودي، لكن قلة منها من يتصدى لهذا النقاش ولعل أبرزهم الدكتور الياس بلكا الذي تناول موضوع الريف قبل الحراك عبر الجرائد الوطنية وكذا ابان الحراك بحكمة وعمق وبعد نظر وهدوء، وكذلك سعيد الصديقي وعلي الادريسي… ومؤخرا الأكاديمي فكري سوسان وكلها كتابات تلامس جوهر القضية وتشكل أرضية للنقاش ومفاتيح للحل… وأخيرا ما عرف بمبادرة سفيان الحتاش هي مركزة ونالت حقها من النقاش، وقبلها تدوينات فيسبوكية خجولة لبعض الفاعلين لكن لم يتلقفها النقاش العمومي مع الأسف… هذه التحركات إيجابية. وننتظر مزيدا من النقاش مع المبادرة التعاقدية موضوع هذه الأرضية، طبعا بعيدا كل البعد عن منطق الحقيقة المطلقة أو احتكار التحدث باسم الريف. وهي مبادرة لا تمثل أي حزب ولا تعبر أن أي هيئة منظمة.
الريف بين الخصوصية والوحدة الترابية:
في استعراضنا وتدارسنا لتاريخ منطقة الريف على قلة وندرة مصادرها لفترات تغطي قرون أحيانا…. مهما كان الحال سنبدأ مع الحقبة الإسلامية ولا أظن أن هناك خصوصية قبل هذه المرحلة بحكم التغييرات وتحركات القبائل وتوالي الاستعمار الأجنبي الروماني والبيزنطي بالأساس.
من الناحية التاريخية يبدو أن الريف لم يكن مستقلا عن باقي تراب الغرب أو المغرب الإسلامي وهي التسمية المناسبة لهذه المرحلة، فإمارة النكور التي تأسست حوالي 87 هـ كانت إمارة استكفاء ولم تكن دولة مستقلة بمعنى الكلمة بل كانت تابعة للخلافة الأموية بدمشق الى غاية قيام الثورة الخارجية بقيادة ميسرة المطغري 122هــ، تاريخ انفراط عقد الدولة الأموية بالمغرب وانقسام هذا الأخير الى إمارات خارجية. ولم تسلم من هذه الثورة حتى إمارة النكور نفسها (ولمزيد من المعلومات التاريخية يرجى مراجعة كتابات أحمد الطاهري كمؤرخ متخصص بهذه الحقبة التاريخية.) وبعد سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية انحسر نفوذها عند حدود تونس (افريقية) وظلت إمارة النكور متراوحة بين التبعية لأمومي الأندلس وغيرهم أو الاستقلال بحكم الواقع السياسي، ثم قامت الدولة الادريسية واستمرت امارة النكور في الوجود الى غاية توحيد المغرب سنة 476هـ بقيادة يوسف بن تاشفين الصنهاجي الأمازيغي، ومن هذا التاريخ أصبح الريف ومعه تامسنا ( امارة بورغواطة) وغيرهما جزء من دولة مركزية ونفس الشيء مع الموحدين المصامدة الامازيغ ثم المرينييين الزناتيين الأمازيغ والوطاسيين بني عمومة المرينيين والسعديين ذوي النسب العربي وأخيرا الدولة العلوية ذات النسب الشريف… وهكذا فالشواهد التاريخية تؤكد أن الريف جزء أصيل من الإمبراطورية المغربية مثله مثل باقي جهات المغرب… وهو ما ينتصر للوحدة المغربية التاريخية… كما شارك أهل الريف بقوة في مرحلة تأسيس الدولة المرينية والدولة العلوية حيث وصف المولى امحمد بن الشريف الريف بأنه ريف الفرسان …الضعيف الرباطي ج1ص133، ووصف أهله بصقور الفيافي ص 113، حيث لجأ المولى الرشيد لمنطقة الريف في مرحلة التأسيس فكانوا أول من تبعه وذلك سنة 1664م ابن موسى الريفي، زهر الاكام ص126. وشكل أبطاله الأشاوس ومقاتليه البواسل النواة الصلبة للدولة المغربية في عهد المولى إسماعيل وعليهم اعتمد في تحرير ثغور الشمال وتوطينهم بالمدن المحررة كالمهدية 1681م وطنجة 1684 والعرائش 1690.. وكان منهم كبار قواده كعمر بن حدو الريفي وعبد لله الريفي. ابن موسى الريفي ص 168. ثم لاحقا برزت أسرة الحمامي التمسماني التي اشتهر قيادها في خدمة الدولة في العهد العلوي والباشا الشهير عبد الصادق الريفي واحد من أبناء هذه الأسرة…. إذن عقدة وحدة الدولة ووحدة الريف مع الوطن ثابتة بالوقائع…فأهل الريف ليسوا ضد الوحدة الوطنية أو الانفصال وانما هم فقط ضد الظلم والاقصاء والتهميش وهو ما يفسر التشنج في كثير من المحطات.
ونحن نستعرض هذه المحطات الوحدوية وجب التذكير هنا بدور الريف وقبيلة بني ورياغل في افشال مغامرة الجلالي الزرهوني وهزمه في معركة بوسلامة. ويبقى هجوم بوشتى البغدادي باسم المخزن على قبيلة بقيوة 1897م والبطش بها أمر مؤسف ومبالغ فيه وليس مجرد منع القبيلة من نشاط القرصنة، فشعار الحملة كان هو تأديب القبيلة بسبب ما سمي بالقرصنة البحرية وهو أمر في حاجة الى إعادة القراءة.
جمهورية الريف وجاهزية تهمة الانفصال:
والآن نصل الى الشبهة الأقوى وهي جمهورية الريف، فهل هذه الأخيرة تعني الانفصال عن الوطن الواحد الذي هو المغرب؟ سنفكك هذه المسألة ونفند هذه الشبهة بعيدا عن الاندفاعية والتسرع في اصدار الأحكام.
نعم محمد بن عبد الكريم الخطابي في عشرينيات القرن الماضي بعد الانتصار في معركة أنوال أسس تنظيم للجهاد والمقاومة أطلق عليه اسم جمهورية الريف أو امارة المجاهدين، وهل يعني هذا الانفصال…. كلا ثم كلا مهلا حتى نفسر الأمر…. إن تهمة الانفصال ضد عبد الكريم والريف ابتدعها في البدء الجنرال ليوطي المقيم العام الفرنسي بالمغرب لتحريض السلطان ضد المقاومة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فعمليا عبد الكريم لم يستقل عن المغرب بل أسس فقط نواة أو خلية لطرد الاستعمار وتحرير المغرب ككل وليس الريف فقط بدليل أن الأمير بادر إلى الهجوم على القوات الفرنسية نواحي ورغة بعدما قدمت إليه قبائل النواحي تستنجد به…. فمن كان انفصاليا لا يؤمن بالتضامن مع اخوانه في الوطن الكبير…. ويزيد الأمر وضوحا بعد لجوئه الى القاهرة سنة 1947 حين أسس بمعية زعماء الحركات الاستقلالية بشمال افريقيا لجنة تحرير المغرب العربي كما سميت رسميا بميثاقها…يعني الرجل كان همه تحرير المغرب ككل بل وأقطار شمال افريقيا ولم لا العالم الإسلامي فالرجل عدوه الأول والأخير هو الاستعمار. إذن ها هي شبهة الانفصال بدليل الجمهورية قد تهاوت. رغم أن تسمية الجمهورية هناك من نفى وجودها أصلا واعتبرها مجرد اسطورة نسجها فرنسيون كما هو الشأن مع الدكتور محمد أونيا.
جمهورية الريف أو حكومة المجاهدين وبعيدا عن التأويلات والقراءات التي تسمها بالانفصال هو تاريخ نفخر به كرد فعل على التدخل الأجنبي وفشل المخزن في تفادي وقوع البلاد في براثين الحماية.
أبناء الريف شاركوا في كل المحطات الوطنية جنبا الى جنب مع باقي أبناء الشعب، فبعد البلاء الحسن في المقاومة المسلحة شارك أبناء الريف في الحركة الوطنية والاستقلالية بالانخراط في الأحزاب الوطنية خاصة حزبي الإصلاح الوطني وحزب الوحدة المغربية بتطوان ثم لاحقا حزب المغرب الحر، في وقت كان يمنع فيه على مدينة الحسيمة ونواحيها تأسيس أي هيئة أو حتى جريدة، الى غاية منتصف الأربعينيات حين سمح بتأسيس فروع الأحزاب…. ساهم أبناء الريف في التعريف والدفاع عن القضية الوطنية بالطرق السلمية خلال هذه المرحلة… ثم انخرطوا بقوة في الخمسينيات في جيش التحرير. وبعد الاستقلال ساهموا في مسيرة استكمال الوحدة الترابية “المسيرة الخضراء 1975م.
وبعد الاستقلال حدث سوء الفهم الكبير بين الريف والمركز غذته الأحزاب المتصارعة والمتعطشة للهيمنة فكان الريف ضحية حسابات حزبية ضيقة… واستمر الريف كخزان احتجاجي وضفته أحزاب المركز وتيارات سياسية منتمية للمركز مناوئة للسلطة دفع ثمنها غاليا أبناء المنطقة في إطار ما عرف بسنوات الرصاص وضحاياها من الحركة التلاميذية وغيرها.
ويعتبر الاستقبال الشعبي الذي حضي به الملك محمد السادس في زيارته الأولى للحسيمة سنة 1999 عقب اعتلائه العرش استفتاء شعبيا حول الوحدة والمصالحة للمنطقة مع المركز، وبعدها مباشرة المصالحة مع المنطقة تحت اشراف هيئة الانصاف المصالحة وتم الاستماع لشهادات الضحايا وتعويضهم وخرجت الهيئة بتوصيات.
حراك الريف هل كان انفصاليا:
هذه عقدة هذه الأرضية ومفتاح لفهما، عرف الحراك الفتي الذي اندلع في 2017 بمدينة الحسيمة عقب مقتل الشهيد محسن فكري بكونه حراك عفوي لم تؤطره أي جهة حزبية أو جمعوية … شباب بدون تجارب سياسية مؤمنون بحق المواطن بالحياة الكريمة وبالعدالة… رويدا رويدا عرف الحراك وهو بالمناسبة لم تكن له أرضية سياسية أو اديولوجية باستثناء لائحة المطالب والشعارات التي رفعت. بالنسبة للمطالب كانت ذات طابع اجتماعي اقتصادي… أما الشعرات التي شكلت هوية الحراك ومعبرها الأساس فهي لا تخرج عن لائحة المطالب… ويعد شعار “الريف عندو ناسو والمخزن يطلع برا” بما هو شعار قوي وفضفاض الى حد ما، أقوى شعار رفع في التظاهرات لكن في عمقه لا يعبر عن الانفصال بل يعبر عن طلب المشاركة في تدبير شؤون المنطقة وهو أمر يؤطره دستور 2011 أي ما يعرف بالجهوية الموسعة أو اللامركزية وهي مبادي للحكامة الترابية والسياسية مقعدة ومؤسسة دستوريا. وفي الأخير فالحراك لم يعبر عن مطالب انفصالية كما زعمت أحزاب الائتلاف الحكومي بل طالب باشراك أبناء المنطقة في تدبير شؤونها في إطار الدولة المغربية ورموزها والوحدة الترابية، وهو ما أكدته مسيرة الوحدة التي نظمها الحراك وكانت أكبر وآخر مسيرة يؤطرها الحراك.
ريفيو العالم ومطالب الانفصال لدى البعض.
في الريف لا توجد جهة أو تنظيم أو حتى شخصيات اعتبارية تدعو الى الانفصال أو الاستقلال، لكن في الخارج طفت الى السطح في السنوات الأخيرة دعوات وظهرت أحزاب تدعو الى الانفصال، وهو توجه لا يمثل كل أبناء الريف في الخارج أو حتى أغلبيتهم…
إخواننا في المهجر لعبوا دور محوريا في بناء وتنمية بلدهم وإعالة عوائلهم، لهم مكانة خاصة في نفوس الجميع. هم منا ونحن منهم همنا مشترك وهو مستقبل الريف. هذا المستقبل كيف نريده.
لابد أن نناقش فكرة الانفصال مع إخواننا الذين تبنوا هذه الفكرة بمنطق الربح والخسارة… صحيح أن بلدنا المغرب ينتمي للعالم الثالث كشأن باقي بلدان العالمين العربي والإسلامي وافريقيا وعموم آسيا… وهي بلدان لا زالت تواجه تحديات تنموية وديمقراطية جمة. فهل الحل هو الصبر والاسهام قدر الإمكان ولو بالقليل في مسار البناء والإصلاح أم تبني أطروحة الاستقلال أو الانفصال؟
يتضح من مجريات الأحداث حولنا وفي محيطنا العربي والإسلامي أن الحركات القومية والانفصالية في نظر الغرب والداعمين لها في اطار البحث عن التناقضات التي أجادها الاستعمار، مجرد جماعات وظيفية، تخلقها أو تحتضنا القوى الكبرى والإقليمية لأداء مهام معينة وللحفاظ على التوازن الجيوسياسي في المنطقة تنتهي صلاحياتها بمجرد انتهاء مهامها ولنا في قوات سوريا الديمقراطية خير مثال وكذلك أكراد العراق الذين فشل مسعاهم نحو الاستقلال واكتفوا بالحكم الذاتي… وحتى في الغرب رفض منطق التجزيئي القومي في كطالونيا وايرلندا… أما الحركات الانفصالية التي ساعدوها على الاستقلال فكان الهدف هو اضعاف البلد الأم لا غير مثل دولة جنوب السودان التي تركوها تواجه الفقر المدقع. لهذا على الجميع أن يكون يقضا وواعيا بأهداف القوى الكبرى والإقليمية من وراء دعم حركة هنا وهناك هو الضغط على البلد الأم لانتزاع مصالح اقتصادية ومواقف سياسية وليس هناك دعم مجاني … فهذه الدول الكبرى في النهاية مصالحها مع الدول الأم التي تملك إمكانيات أكبر بإمكانها المساومة بها. ولذلك فكثيرا ما تشجع القوى الخارجية الحركات القومية والانفصالية وتدفعها لحمل السلاح والحروب الأهلية وبعد زمن طويل وسقوط ضحايا كثر وتعطيل التنمية لعقود ويأس الناس وتعبهم بمنطق” حتى مللنا الحروب وملتنا الحروب” فتدفعها الى التفاوض وتقديم تنازلات في إطار وحدة البلد.
ولذلك فمن الحصافة والحكمة تفادي الأخطار وتوفير الجهد وربح الوقت للتنمية والبحث عن المشترك وحلول في إطار البلد الواحد والجهوية الموسعة من منطق رابح رابح.
التوق للعدالة والاندفاع لنصرتها:
من الصفات النفسية الغالبة على أهل المنطقة انتصارهم للعدالة ونبذ الظلم وباندفاعية وعناد أحيانا. لا يفهم كثير من المواطنين والمسؤولين من خارج المنطقة هذه الخواص النفسية فيعتقدون ذلك تحديا لسلطة الدولة وهذا مجانب للصواب، فهذا الاندفاع ممزوج بالطيبوبة والصدق يتوجب على كل مسؤول استيعابه وتصريفه بطريقة صحيحة بعيدا عن منطق المغالبة الذي يؤدي أحيانا الى الاصطدام. نستذكر في هذه الاتجاه تصريح لسعيد الخطابي نجل الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي عقب استقباله للملك محمد السادس في زيارته التاريخية لمدينة الحسيمة عقب اعتلائه العرش 1999م. مضمون هذا التصريح تمحور حول أهمية العدالة وتفادي ظلم أهل الريف. ويفسر انطلاق الحراك بمقتل الشهيد محسن فكري كنوع من رفض للظلم وطلب للعدالة لكن منطق المغالبة أدى لتدحرج القضية ككرة ثلج مغذية من التاريخ.
رفض منطق الهامش:
يرفض أهل الريف النظر الى منطقتهم كهامش في المغرب غير النافع، يرفض الأهالي منطق الاقصاء والتهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومحاصرة الذاكرة التاريخية والجماعية التي يفرضها الممسكون بزمام الأمور وصانعي القرار، فترى كثير من سوء الفهم نابع من ثنائية الهامش والمركز. لا غرو أن أهالي الريف شاركوا في محطات تاريخية حاسمة واسهموا في صناعة القرار بقوة ومنذ قرون خاصة في عهد الدولة المرينية وكذا الدولة العلوية في مرحلة التأسيس وتحرير الثغور فساهم أبناء الريف مساهمة حاسمة في تحرير المدن المغربية وتوطين عدد كبير منهم فيها بعد تحريرها… فموقع الريف الجغرافي يجعله في حكم الرباط والمرابطة على ثغور البلد والاستعداد للدفاع عن حماه، من هنا توجب على الدولة معاملتهم كمركز لا كهامش مهمش … فقضية التهميش برزت مرة أخرى بعد اقصاء الحسيمة من عاصمة الجهة التي تمتعت بها في ظل التقسيم الجهوي 1997م لكن تغيير الواقع بعد التقسيم الجهوي 2015م غير الامر، وهو ما يعني حرمان المدينة من الموارد المتاحة والمصالح الجهوية والمناصب المرتبطة بها والحركية الاقتصادية التي تتبعها… فكان ذلك عاملا مساعدا غير مباشر للحراك الشعبي 2017م. فإشراك الريف في القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسة العمومية يظل مطلبا ملحا رغم انشغال ممثليه الحزبيين بتصريف قرارات أحزاب تؤمن بفكرة المركز الفاعل والهامش التابع.
بعد استعراضنا لمحطات من تاريخ الريف في علاقته بالدولة المركزية وتفنيد شبه الانفصال وتأكيد مسألة الوحدة الوطنية والترابية. سننتقل الى تأكيد المبادئ العامة للمبادرة التي ننتظر أن تتوج بانفراج سياسي يشمل معتقلي الحراك في إطار انتصار الوطن وانتصار الكل للبناء والمستقبل.
– التأكيد على الوحدة الترابية والوحدة الوطنية لجميع مكونات المجتمع.
– التشبث بالثوابت الوطنية المجمع عليها في إطار الوثيقة الدستورية 2011.
– احترام مكانة الملكية الدستورية والملك بصفته رئيس الدولة.
– تفعيل خيار الجهوية الموسعة كمدخل عملي لتنمية المنطقة واحترام خصوصيتها الثقافية واشراك أبنائها في تدبير شؤونهم.
– تدشين مسار للعدالة الانتقالية أو جبر الضرر الفردي والجماعي ومصالحة حقيقة مع المنطقة وانهاء ملف المعتقلين على خلفية الحراك.
– فتح القنوات العمومية والخاصة لنقاش المصالحة والمشترك بين المنطقة وباقي تراب المملكة، ومسارات أكاديمية في نفس الاتجاه.
– تأسيس هيئة أو ديوان لرد المظالم تكون وسيط بين الدولة والمواطنين لتفادي الشطط وتكون قراراتها ملزمة واستعجالية الصدور والتنفيذ.
– جعل الحسيمة عاصمة للجهة في إطار التمييز الإيجابي ورد الاعتبار للمنطقة أو خلق جهة خاصة للمنطقة.
– التأسيس لتمثيلية ووساطة حقيقية تتجاوز الوساطة التقليدية المرتبطة بالمواسم الانتخابية.
– البحث عن صيغة ديمقراطية ومبتكرة لإشراك السكان في تدبير شؤون المنطقة في إطار الجهوية الموسعة.
هذه مجرد أرضية نرمي من ورائها توسيع النقاش وبلورة تعاقد مجتمعي حقيقي تتفق حوله ساكنة المنطقة بين أبناء الريف في الداخل والخارج وعموم أبناء الشعب المغربي، وجعله أرضية للترافع مع المركز والنقاش الأفقي المستدام. والله المستعان
باحث في التاريخ.































