بـــقلم : خـــالــد البوهالي
باحث في العلوم السياسية
شكل الوجود الروسي في سورية سوء فهم لدى الكثيرين، فعندما يتحدث بعض المهتمين بالشأن السياسي الدولي عن الاحتلالين التركي، و الأمريكي للشمال السوري، يرد البعض الآخر لماذا لا تسمون التواجد الروسي بالاحتلال في سوريا ؟ و لرفع اللبس هن هذا السؤال، لابد من إلقاء الضوء على بعض النقاط الغائبة عن الأذهان، و توضيحها مع تبيان علة هذا الوجود و مدى شرعيته.
الجذور التاريخية للوجود الروسي في سوريا
إذا عدنا للوراء فإن الوجود الروسي ليس وليد ظرفية معينة أملتها رياح ما سُمي بالربيع العربي، بل يعود إلى الحقبة السوفياتية، خصوصا بعد وصول الرئيس السوري أحمد حافظ الأسد لسدة الحكم بسوريا عام 1970 إثر الثورة التصحيحية التي قادها، و التي أفضت إلى إقصاء الرئيس السوري الراحل الفريق أمين الحافظ من السلطة.
و قد كان لتقاطع المصالح بين الجانبين السوري، و السوفياتي أثر لهذا التواجد، فسوريا خرجت من حرب يونيو 1967 منهزمة، و فقدت على إثرها هضبة الجولان لصالح إسرائيل، و كانت تحتاج الاتحاد السوفياتي لإعادة بناء قواتها المسلحة، و تدريبها، و تسليحها من جديد، بينما الاتحاد السوفياتي السابق كان بحاجة إلى موطئ قدم له في البحر الأبيض المتوسط.
و في عام 1971 تم توقيع أول اتفاقية لإنشاء قاعدة بحرية بميناء طرطوس و كان الهدف من ورائها هو إصلاح و تزويد سفن السرب الخامس التابع لقوات البحرية السوفياتية بالوقود و الإمدادات، بيد أنه مع انهيار الاتحاد السوفياتي تم وقف العمل بهذه القاعدة إلى حدود سنة 2008 حيث وافق الرئيس السوري بشار الأسد – إثر لقائه بالرئيس الروسي آنذاك ديميتري ميدفيديف على إعادة بناء هذه القاعدة من جديد لتكون مركزا للبحرية العسكرية الروسية.
الوجود الروسي من الناحية القانونية و السياسية و العسكرية
أولا :من الناحية القانونية
بما أن روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي السابق الذي كان مرتبطا بمعاهدات منها معاهدة الصداقة و التعاون المبرمة مع سوريا عام 1980، و كذلك معاهدة 1983 التي تسمح بدخول السفن، و سفن الإمداد السوفييتية المياه الإقليمية السورية، و تشييد مركز لوجستيكي بميناء طرطوس، فإن آثار هذه المعاهدات تمتد إلى روسيا للسبب الذي أشير إليه سابقا، بالإضافة الى الاتفاقيات الجديدة المتعلقة بالتعاون العسكري بين روسيا و سوريا، و كذلك تأجير روسيا مؤخرا لميناء طرطوس لمدة 49 سنة، و نحن نعلم أن الاتفاقيات تشكل أحد مصادر القانون الدولي العام و بالتالي فإن قواعدها آمرة و يطغى عليها طابع الإلزامية.
ثانيا: من الناحية العسكرية
أدى تراجع الجيش السوري، و سقوط العديد من المدن بيد قوى المعارضة السورية، و التنظيمات الإرهابية الى طلب الحكومة السورية من روسيا المساعدة في دحر التنظيمات المناوئة لها حيث نزلت روسيا بثقلها العسكري، و قامت بمجموعة من الضربات الجوية على مواقع المعارضة، بالإضافة الى تقديم الاستشارة العسكرية للضباط السوريين على الأرض من طرف نظرائهم الروس، الشيء الذي مكن الجيش السوري من استرجاع حوالي 80 بالمائة من الأراضي السورية .
ثالثا :من الناحية السياسية
كما نعرف أن العمل العسكري وجد لتحقيق أهداف سياسية، لذا كان الغرض الروسي من العمليات العسكرية في سوريا يروم تحقيق هدفين:
الهدف الأول : تحقيق تفوق عسكري نوعي سوري على الأرض مما يجعل الحكومة السورية تفاوض قوى المعارضة من موقع قوة في أية عملية تفاوضية مستقبلا ، فلو سقط النظام السوري سيعني حتما سقوط المصالح الروسية في سوريا و بالتالي فقدان أهم موقع استراتيجي لها على البحر الابيض المتوسط.
الهدف الثاني : تصفية المقاتلين المتشددين خصوصا الذين وفدوا من الشيشان، و من إقليم الإيغور الصيني، فقد أدركت القيادة الروسية أن الفرصة مواتية للقضاء عليهم بعد تجمعهم في سوريا، حتى لا يعودوا بعد انتهاء الحرب إلى بلدانهم لشن عمليات إرهابية ضدها.
إذن فالوجود الروسي و قبله السوفياتي كان و لا زال لدواعي استراتيجية و حيوية بالنسبة لهما، و لتقاطع المصالح مع الحكومة السورية سواء في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، و في عهد الرئيس الابن بشار الأسد. و إذا ما قورن التواجد و التدخل العسكري الروسي في سوريا بالتواجد الأمريكي، و التركي في الشمال السوري فإن هذا الأخير يبقى احتلالا أيا كانت المبررات، و المسوغات التي تساق لها ، لكن في الحالة الروسية فإنه تم في إطار القانون الدولي العام سواء من خلال الاتفاقيات الثنائية، و كذا حق طلب المساعدة العسكرية من دولة أخرى لدرء الخطر، و الذي يكفله هذا القانون لأي دولة بصرف النظر عن النوايا، و الأهداف المعلنة، و غير المعلنة، نتمنى صادقين أن تنسحب جميع القوات العسكرية من سوريا و أن تستعيد هذه الأخيرة عافيتها.




























