التبريس: الحسيمة، عبد المجيد أمياي
البحّارة على طول الشريط الساحلي من السعيدية إلى الحسيمة يعرفون أنها ممارسة ورثت عن الاستعمار الإسباني، لكن استعمال المتفجرات كان يقتصر على البواخر الكبيرة خاصة بمنطقة الحسيمة. البحارة وأرباب البواخر من تلقاء أنفسهم تخلوا عن الصيد بهذه الطريقة في ثمانينات القرن الماضي، بالرغم من أن هناك من قال أنهم تخلوا عن هذه الممارسة تحت طائلة السجن، غير أن الصيد بالمتفجرات لم يتوقّف إلى يوم الناس هذا، استمر على مستوى الأجراف، أين يترصد هؤلاء الصيادين للأسماك من أعلى الأجراف البحرية ويقذفونها بها.
هذا ليس كل شيء “تفجير البحر” انتقل إلى مستوى أخر، ولم يعد أيضا يقتصر على القاذفين من البر، بل أصبح علامة تميز صيادين منتشرين على طول الساحل ممن يستعملون القوارب المسماة “لامبارات”، هذه القوارب التي تفجر البحر ليل نهار جشعا وطمعا في الربح السريع، وبين تفجير وأخر تضيع أطنان من الأسماك ويدمر النظام الايكولوجي، حتى أن بعضهم أصبح يتنبأ بمرحلة “الجفاف العظيم” في سواحل الشمال.
مصدر المتفجرات
“إن مصدر المتفجرات محلي، يحصل عليها المفجرون من المقالع المنتشرة في المنطقة، لست مقتنعا أن مصدرها كما يقال عبر التهرب من مليلية المحتلة والجزائر” يقول محمد الأندلسي رئيس جمعية “أزير لحماية البيئة” ل”أخبار اليوم”. الأندلسي يعزّز وجهة نظره بالقول أن الإجراءات الأمنية التي تفرضها مثلا السلطات الإسبانية على ترويج المواد المتفجرة هي إجراءات صارمة جدا، مخافة أن تستعمل هذه المواد في أعمال إجرامية، وبالتالي “من المستحيل أن تكون هذه المواد تهرب بشكل منتظم من مليلية لتزويد المفجرين بها” يضيف الأندلسي.
إذا كان الناشط البيئي يبدي كل هذا اليقين حول المصدر، فإن المهنيين المشتغلين في القطاع يؤكدون أن مصدر هذه المتفجرات لازال مجهولا بالنسبة لهم “في الحقيقة نحن نفاجأ دائماً بهذه الانفجاريات التي تحدث بمناطق معينة من السواحل الشمالية، وفي الواقع نحن حائرون، لا نعرف مصدر هذه المتفجرات، ربما من التهريب وربما تسرب من المقالع” يقول الحسين الحدوتي رئيس جمعية أرباب قوارب الصيد التقليدي بميناء الحسيمة، وهو الرأي نفسه الذي عبر عنه عبد الكريم بن قدور الكاتب العام لنقابة أرباب وبحارة الصيد التقليدي بالحسيمة، الذي أكد أن الظاهرة انحصرت إلى أن تم القضاء عنها بشكل مطلق بسواحد الحسيمة، لكن تنتشر بسواحل الناظور والدريوش، “لأننا لا نستعملها نجهل كيف يحصل هؤلاء على هذه المتفجرات”.
البحارة المتحررين من القيود يعرفون جيدا قصة هذه المتفجرات، وكيف يتم تخزينها وحتى تصنيعها أو إضافة مواد أخرى إليها “في السواحل الشمالية خاصة بإقليمي الناظور والدريوش هناك شخص معروف يمتلك ما يمتلكه من قوارب للصيد التقليدي ومعروف كيف أن هذا الشخص يمارس سياسة احتكارية في الميدان، والمؤسف أن قواربه مسؤولة عن استخدام هذه المتفجرات” يقول أحد بحارة الصيد الساحلي الذي رفض الكشف عن هويته، قبل أن يضيف زميله الذي بدت عليه علامة التوتر “الجميع يعرف مصدرها، هل تتصورون أن ممارسة من هذا النوع تتم في السواحل لأزيد من 50 سنة لا يعلم أحد مصدر المتفجرات المستعملة، هذا مستحيل!”
حرب الاستنزاف!
المتفجرات بدائية جدا، يمكن لطالب السنة الأولى بكلية العلوم أن يفكك عناصرها الأساسية، تتكون من ثلاثة عناصر مهمة، من الزئبق المركز، ومن المادة المتفجرة الشبيهة بالطين وكبسولة من الألمنيوم، عناصر كافية لإحداث انفجار لا يسمع له صوت في البر، لكن مفعوله تحت الماء لا يمكن تصوره “غواص غاص في السواحل الممتدة من الناظور إلى غاية واد كرت، صدم من مهول الدمار الذي أصاب الحياة البحرية” يقول صاحب مركب للصيد الساحلي فضل عدم الكشف عن اسمه. معطيات يؤكدها الأندلسي الذي كشف بأن مستعملي المتفجرات اهتدوا مؤخرا إلى “فكرة خطيرة”، وهي إضافة مادتين إلى العناصر الثلاثة الأساسية، وهي الأسمدة الفلاحية والكازوال، “أصبح الانفجار أقوى خمس مرات مما كان عليه في السابق، وهذا يعني شيء واحد اتساع حجم المساحة المدمرة وأيضا ارتفاع كمية الأسماك النافقة في أعماق البحر، التي لن يقدر أحد على الغوص للاستفادة منها” يؤكد الأندلسي.
البحر نحو العقم!
السنة الماضية سنة 2012 كانت سنة سوداء بمنطقة الحسيمة على الأقل، فالأرقام الرسمية الصادرة عن “المكتب الوطني للصيد البحري” تشير إلى أن الأشهر الثلاثة الأولى من السنة الماضية تراجعت حمولة السردين التي فرغت في الميناء ب 83 % بالمقارنة مع نفس الفترة من سنة 2011 حيث لم تتجاوز 294094.00 كلغ في حين أن الفترة المماثلة من السنة السابقة كانت 168764 3 .50 كلغ، هذا يفسر وفق أغلب المهنيين شيء واحد أن السمك نادر جدا، أو أن السواحل المعنية تتجه إلى أن تتحول إلى سواحل “مصابة بالعقم”.
بن قدور كشف بأن استعمال المتفجرات أدى فعلا إلى انقراض بعض الأسماك التي لم تعد منذ مدة تظهر “دمرت المنظومة الإيكولوجية وأدت إلى انقراض العديد من الأسماك، وتحول صيد بعضها إلى صيد موسمي، فيما أخرى يتم اصطيادها بالصدفة”.
“بالنسبة للهيئة طالبت غير ما مرة بحماية الثروة السمكية الوطنية، ونحن نعلم جيدا أن الثروة السمكية بالسواحل الشمالية، ثروة إستراتيجية في خلق التوازن الاجتماعي، وبالتالي فإن تدمير هذه الثروة باستعمال المتفجرات يعد بحد ذاته جريمة تهدد بشكل مباشر استمرار تدفق هذه الثروة” يقول نجيم عبدوني عضو اللجنة الإدارية بالهيئة الوطنية لحماية المال العام.
زئبق في السمك!
الزئبق المركز العنصر الثالث والمهم في المتفجرات المستعملة، وفي نفس الوقت العنصر السام الذي يمكن أن يسبب الأمراض المزمنة بل يمكن أن تؤدي تسمماته إلى الهلاك كما حصل ذات يوم من أيام 1971 في العراق عندما هلك أزيد من 400 شخص لأنهم تناولوا خبزا مصدره قمح رش بمبيد يحتوي الزئبق، هكذا أيضا يتم طلاء قعر الساحل بهذه المادة، فخمسون سنة أو يزد من التفجير المحتوي على الزئبق لن ينتج عنه إلا رقعة واسعة غير مرئية من الزئبق الذي يختلط بالأحياء الدقيقة ويصبح غذاء للأسماك “الخطر الكبير الذي أصبح يهدد الصحة العامة هو الزئبق الذي ينتشر في البحر، هذا الزئبق الذي تقتات عليه بطريقة غير مباشرة الأسماك التي يستهلكها المواطنون، ويمكن حينها تصور حجم الأضرار التي يمكن أن تتسبب فيه هذه المادة السامة التي تضاهي في خطورتها المواد المشعة بل هي كذلك لأن مفعولها في البحر يبقى ملايين السنين” يؤكد الأندلسي.
اليوم في البحر وغدا في البر!
لماذا يجب أن تنهي الدولة استعمال المتفجرات في بعض السواحل الشمالية؟ سؤال يرى العبدوني أن جوابه واضح “لأن اليوم هناك تخوف جدي من وصول هذه المتفجرات إلى أيدي عصابات مسلحة إرهابية”.
هذا أمر وارد جدا ما دامت أن هناك سهولة كبيرة للوصول إلى هذه المتفجرات بالشكل الذي يمكن أرباب “لامبارات” من الحصول عليها بشكل يومي وتفجير البحر بسهولة، رأي يتقاسمه مع عبدوني معظم المستطلعين، بل إن بعضهم قالها وبصريح العبارة أمام السلطات الولائية بجهة الحسيمة في أحد اللقاءات الخاصة بتدارس قطاع الصيد البحري، عندما أكدوا أنه سيأتي يوم بعدما ينتهي “المفجرون” من تفجير البحر سينتقلون إلى تفجير البر.
انتهى الكلام!
طوال السنوات الماضية وُوجهت حناجر المهنيين، بأن حديثهم عن وجود متفجرات هو حديث تكتنفه الصراعات، فكانت شكاويهم توضع في الرفوف، إلى أن “شهد شاهد من أهلها”، ففي مهمة قام بها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري في نونبر المنصرم، قبالة سواحل الدريوش لتحديد المسافة المسموح بها لأسطول الصيد التقليدي، جرف المركب الذي كان الفريق على متنه كمية من المتفجرات التي لم تستعمل بعد، عثور هذا الفريق اعتبر بمثابة دليل قاطع على استمرار استعمال المتفجرات “في الحقيقة أنا سعدت كثيراً باكتشاف المعهد، لأن مؤسسة تابعة للدولة اكتشفت الدليل بمحض الصدفة، وهي صدفة حقاً ستغير الكثير في التعامل مع هذا الملف” يقول “الرايس” سعيد الذي يعمل بميناء بني أنصار.
زميله في العمل “الرايس” ميمون عضو غرفة الصيد البحري بطنجة، تفاءل أكثر “أعتقد أن هناك بوادر لحل هذا الملف، وزير الصيد تجاوب معنا وسنعقد معه لقاء بعد انتهاء عطلة السنة الجديدة وسنمده بالاقتراحات العملية التي تمكننا من إنهاء هذا النزيف”.
رغم هذا التفاؤل إلا أن المهنيون دخلوا في الأسبوع المنصرم سواء بميناء الحسيمة أو ميناء بني أنصار في احتجاجات وإضرابات صاخبة، طلبا لتدخل الدولة ووقف استعمال المتفجرات ل”إنقاذ ما يمكن إنقاذه”، بل إن جمعية أرباب مراكب صيد السردين بميناء بني أنصار سبق لها أن وجهت رسالة إلى وزير الفلاحة والصيد البحري وجهت نسخة منها إلى الديوان الملكي تضمنت أسماء المناطق التي تستعمل المتفجرات وحتى الأشخاص المفترضين بكونهم يستعملون هذه المتفجرات.
ع.قيقاي:تنتظرنا “كارثة كبرى”
ما هو مصدر المتفجرات المستعملة في تفجير البحر؟
لابد من الإشارة إلى أن الظاهرة موروثة عن الاستعمار الإسباني الذي كان يتبع الطريقة نفسها في الصيد في السواحل الشمالية (مناطق النفوذ)، وحاليا يحصل عليها المستعملون من المقالع المنتشرة في منطقة الريف، حيث يتم بيعها بشكل سري لهؤلاء، وأشير في هذا السياق أنه مؤخراً أعتقل أحدهم بعد شكاية تقدمت بها جمعيتنا حيث ضبط متلبسا، لكن للأسف هذا الشخص فرّ من قبضة رجال الدرك الملكي أثناء اقتياده إلى منطقة الناظور ليدل المحققين عن المصدر أو الموزعين لهذه المتفجرات، ولا يزال إلى حدود اليوم في حالة فرار.
كما أنهم يحصلون عليها عن طريق التهريب من مليلية المحتلة، هناك أشخاص مختصين في هذه العمليات، حيث ينقلونها من المدينة المحتلة ويعيدون بيعها.
هل تطور استعمال هذه المتفجرات منذ الفترة الاستعمارية إلى الآن؟
بالتأكيد، يكفي أن نعلم أنه منذ عشر سنوات فقط من الآن، كان هؤلاء يستعملون متفجرات من حجم صغير، لكن اليوم يستعملون متفجرات من حجم كبير، وهذا راجع بالأساس إلى تراجع المخزون السمكي، بل الخطير في الأمر زيادة على الزيادة في حجم المتفجرات يتم إضافة مواد كيميائية إلى هذه المتفجرات، ليكون لديها وقع أكبر، من ذلك إضافة الأسمدة الفلاحية أو الكازوال، وأنا شخصيا كنت شاهدا عيان على انفجار من تفجيرات هذا النوع، وهو انفجار لا يمكن وصف حجم الخسائر التي يحدثها.
من يستعملها، يقال بأنهم بحارة محسوبين على قطاع الصيد التقليدي ؟
في الحقيقة هؤلاء مجموعة من “الهواة”، ليسوا بحارة بما للكلمة من معنى، لأن البحار غيور على الثروة السمكية والحفاظ عليها، وعلى المحيط الذي تتكاثر فيه، لضمان مستقبله ومستقبل الأجيال المقبلة، هؤلاء يتاجرون في كل شيء، فكما يمكن لهم الصيد بهذه الطريقة يمكن لهم أيضاً قطع أشجار الغابة لبناء مراكبهم غير المرخصة، وحتى بإمكانهم الاتجار في المخدرات، باختصار هؤلاء يبحثون عن الربح السريع.
أين الدولة من استعمال المتفجرات؟
نعلم جيدا أن الدولة أقامت مجموعة من نقط المراقبة على امتداد السواحل الشمالية، نقط متقاربة في بعض الأحيان لا يفصل بين نقطتين سوى 200 متر، لمراقبة تجار المخدرات ومافيا التهجير، وفي الحقيقة بدورنا لم نفهم كيف لا يتم ضبط “المتفجرات”.
السلطات الأمنية والوزارة المختصة وحتى السلطات المحلية، تعلم جيدا من يستعمل هذه المتفجرات، تكفي إفادة أعوان السلطة لتحديد من يستعمل هذه الأساليب في الصيد، والخطر الأمني في الحقيقة من استمرار استعمال هذه المتفجرات يكمن في إمكانية تسربها إلى الجماعات الإرهابية، بل أصبحنا نحن أيضاً كنشطاء مهدّدين لأننا انتقلنا من مرحلة التّحسيس إلى مرحلة تسجيل الشكاوى، وهو ما يعرض حياة العديد منّا إلى الخطر.
ماذا ينتظرنا في المستقبل في حالة استمرار “تفجير البحر”؟
كارثة كبرى، أطراف اليوم لها علاقة بقطاع الصيد بحوض البحر الأبيض المتوسط تتحدث عن إلغاء مجموعة من تقنيات الصيد أرحم بكثير المتفجرات، ولكن نلاحظ في المقابل استمرار هذه الممارسات عندنا. هذا لا يعني أن الأمل مفقود في إنقاذ مستقبلنا، الأمر ممكن ويجب على الدولة أن تتدخل، والجميع يعرف أن مستقبلنا مرتبط بالثروة السمكية هذه الثروة التي لا تقدر بثمن، بل هي ثروة تفوق قيمتها البترول.
( خاص: عن جريدة أخبار اليوم )، الصورة لموقع التبريس































