التبريس
في أعلى مرتفعات سلسلة جبال الريف، وعلى بعد حوالي 120 كيلومتر من مدينة الحسيمة، توجد جماعة اساكن، وسط قمم جبلية عالية، العزلة والتهميش سمتان تميزان الجماعة، ضعف الشبكة الطرقية وضيقها الشديد وسط منعرجات جبلية، وانعدام أبسط الخدمات، حولت حياة الفلاحين البسطاء لجحيم لا يطاق، حسب تصريحهم للجريدة

شدة البرودة ووعورة المسالك الطرقية، وامتلاء الأودية بمياه الأمطار لم تمنع الفلاحين من القدوم لسوق خميس إساكن قصد التبضع. العديد من المداشر والقرى الجبلية المحيطة بالجماعة المذكورة تضطر لاجتياز العديد من الأودية. كما تستعمل وسائل تنقل جد بدائية. ففي هذه المناطق يتكدس المواطنون داخل سيارات المرسيدس الكبيرة، أو داخل عربات الجرار، في حين تبقى الوسيلة المتوفرة لدى أغلبيتهم هي الحمير والبغال. «قد نمنع من الوصول لسوق خميس ؤساكن، عند تساقط الأمطار، وامتلاء الأودية، وعادة ما يظل الفلاحون محرومين من المؤن، بسبب عامل العزلة»، يصرح شعيب للجريدة، الذي أكد أن المواطنين في هذه المناطق يعانون أبشع أنواع العزلة، فيما يؤكد محمد لمرابط الذي يعتبر فاعلا جمعويا

بالمنطقة على أن «العديد من النساء الحوامل والمرضى، لم يسعفهم الحظ في بلوغ مراكز التطبيب، حيث عادة ما تكون المسالك الطرقية مقطوعة، ويضطرون لحمل مرضاهم في نعوش على الأكتاف لساعات طويلة». كانت هذه جزء من تعبيرات المواطنين القاطنين بهذه المنطقة الجبلية، حيث يطالبون الجهات المسؤولة على وجه الاستعجال بالتدخل لفك العزلة عنهم، وإنشاء مسلك طرقي يربط بين تلك المناطق الآهلة بالسكان والبعيدة والطريق الساحلية عبر باب تبياضت، وكل أمانيهم أن تصبح وسائل النقل قادرة على البلوغ للريف العميق، التي تظل معظم ساكنته معزولة عن العالم الخارجي طيلة فصل الشتاء. كما يطالبون ببناء القناطر على الأودية التي تجرف سنويا ضحاياها من البشر والدواب، حيث يعزل الواد ذاته المداشر الجبلية، ويفقدها العديد من الأراضي الفلاحية.

انحصار الأراضي الفلاحية على بعض الهضاب الضيقة بمنحدرات الجبال، وقلة الأراضي الزراعية بتلك المناطق جعلت الفلاحين يطالبون بضرورة تدخل وزارة الفلاحة، لتوفر لهم الدعم الكافي، خاصة البذور المدعمة والأعلاف. ورغم إنتاج المنطقة لكميات مهمة من العسل الحر العالي الجودة، التين، واللوز، فإن مشكل التسويق يظل أهم عائق يواجه الفلاحين، الذين يضطرون لبيع منتوجاتهم الفلاحية بأثمان متواضعة على حد تعبير العديد منهم للجريدة، حيث أكدوا أن مسلسل الدولة في مجال دعم الفلاح الصغير ظل بعيدا عن تحقيق أهداف البسطاء منهم، الذين طالبوا كذلك بضرورة تأهيلهم وتوجيههم لتشكيل التعاونيات الفلاحية، ليصبحوا قادرين على تسويق منتوجهم. كما تساءل أحد الفلاحين المسمى عمار «عن ضرورة الرفع من عدد مشاريع التنمية البشرية، وباقي المشاريع التنموية التي تستهدف المنطقة». وأضاف أن

«جل المشاريع المبرمجة تعرف طريقها نحو الواقع، غير أنها لا تصمد كثيرا أمام عوامل التعرية القوية، كما هو الشأن لبرامج الطرق القروية، كما يبقى الفلاح هو الحلقة الضعيفة في كل المشاريع، التي تعرفها المنطقة، والتي شهدت هجرات قروية كثيرة نحو الخارج خلال السنوات القليلة الماضية».
التهميش وغياب أبسط التجهيزات، وتآكل البنية التحتية للجماعة هي العنوان العريض لواقع التسيب والحرمان الذي تعيشه جماعة إساكن. فعلى طول المسلك الطرقي الذي يربط بين الطريق الوطنية رقم 2، بطريق الوحدة تتراءى للناظر مداشر جبلية معزولة، كما أن ذات المقطع الطرقي يعرف اهتراء كبيرا وتملؤه الحفر والشقوق. الجماعة ذاتها تعرف خرابا منقط النظير، أما السوق الأسبوعي لأكبر جماعة جبلية بالريف العميق تملؤه حفر كبيرة بمدخل بابه الرئيسي، علاوة على تفشي الأوحال والمياه الآسنة بداخله. «أنظر أين تذبح الماشية التي تقدم للمواطنين، نحن لا نعرف إن كان المسؤولون على علم بهذا»، يشير أحدهم لمجزرة سوق الجماعة، التي ترتادها الكلاب والقطط ليلا ونهارا، وتفتقر لأبسط الشروط الصحية، كما تباع اللحوم على طاولات بممرات السوق، تحيط بها العديد من الكلاب الضالة.

وتنتشر بالجماعة كميات كبيرة من الأزبال والقذارة، خاصة بمحيط السوق الأسبوعي، الذي يعرف كذلك انتشار العديد من البراريك المشيدة بالزنك، حيث عادة ما يقطنها أشخاص غرباء عن المنطقة، كما يستغل بعضها في الدعارة التي بدأت تعرف طريقها بقوة في إساكن، ويحدث ذلك نهارا جهارا وأمام مرأى الجميع، الذين يتساءلون على من يرعى هذه الآفة التي أصبحت تقض مضجع الساكنة. نفس البراريك تشكل كذلك، حسب مصدر محلي، ملاذا آمنا للمجرمين والمبحوث عنهم الذين يجدون في هذه الربوع المنسية من البلاد مكانا متواريا للاختباء هن عيون الأمن، حيث يقوم معظمهم باستغلال الفراغ الأمني لتكثيف أنشطتهم الإجرامية في السرقات وبيع وترويج المخدرات.

وجود هذه الجماعة بسلسلة جبال الريف وفي عزلة جغرافية قلة نظيرها في المغرب، جعلها مجالا خصبا للعديد من الأنشطة الإجرامية، فداخل هذه الجماعة تم مؤخرا العثور على أكبر حظيرة لسيارات فاخرة تمت سرقتها من عدة مدن مغربية، كما أصبحت قبلة للراغبين في اقتناء المخدرات الصلبة، التي حلت محل الحشيش المغربي مؤخرا، حيث بدأ ضحايا هذه الآفة يتكاثرون في الشوارع بعد أن تحولوا لمدمنين يستجدون المارة للحصول على الأموال لشراء المخدرات. هذا الواقع قاد العديد من المواطنين ممن ربطوا اتصالهم بالجريدة إلى مطالبة الجهات المسؤولة بالتدخل العاجل لإنقاذ سكان جماعة إساكن من المخاطر الكثيرة التي بدأت تحدق بهم.

ورغم الدينامية الاجتماعية التي تعرفها الجماعة ذاتها، فإنها تفتقر كليا للفضاءات الترفيهية، ودور الشباب، وملاعب القرب، وهو ما يترك شباب المنطقة عرضة للضياع والسقوط في فخ الانحراف، الذي يقود بدوره للعديد من السلوكات المشينة المنتشرة بإساكن. ورغم كون الجماعة قد عرفت مؤخرا بعض المشاريع التنموية، غير أن قطاع الشباب والرياضة لازال يفتقر بشكل كبير لأهم آلياته البسيطة القادرة على تأطير الناشئة.

وتعتبر إساكن منطقة سياحية بامتياز، وتتوفر على العديد من المؤهلات والمناظر الجبلية الخلابة، حيث تكسوا غابات الأرز الباسقة كل المجال المحيط بالجماعة. كما تستقبل «تدغين» التي تعتبر أعلى قمة جبلية بالريف العديد من الزوار والوافدين على المنطقة، غير أن غياب التجهيزات الضرورية، وتلاشي المتوفر منها يجعل من قيام نشاط سياحي بالمنطقة أمر بعيد المنال، خاصة مع كثرة التخريب الذي تتعرض له الغابة تحت ضغط الحاجة، وانتشار التلوث الذي أصبح ينتشر بكل مناطق الجماعة وفضاءاتها الطبيعية.

وعلى بعد كيلومترات من جماعة إساكن باتجاه جماعة كتامة يوجد مقطع طرقي يمتد داخل غابات الأرز الكثيفة، التي تغطي مساحات مهمة من تراب الجماعة، وما أن تبتدئ في التوغل بالغابة حتى تثيرك الأعداد الكثيرة من الأكياس البلاستيكية والأسمال القديمة المتناثرة هنا وهناك، قبل أن تستقر عينك على كارثة طبيعية سببها مطرح النفايات الذي اختارته الجماعة لطرح نفاياتها الصلبة، والذي يوجد وسط غابة الأرز وهو الأمر الذي أصبح ينذر بحدوث تلوث بأهم مجال غابوي بالريف.

وتتشكل معظم النفايات ذات الكثافة المرتفعة من مخلفات الحفر والبناء، وتوجد منها كميات كبيرة على طول الطريق المؤدية إلى المزبلة، ونفايات معدنية ويتعلق الأمر خصوصا ببقايا هياكل السيارات المستعملة والعديد من أنواع النفايات المعدنية والطبية الأخرى، بالإضافة إلى النفايات المنزلية الصلبة،

حيث تغطي هذه النفايات مساحات كبيرة داخل غابات الأرز المكسوة بغطاء نباتي، مما يجعله غير صالح لعيش العشائر الإحيائية المكونة للغطاء الغابوي. أما النفايات الطافية ( الأكياس البلاستيكية…) فتنقل بواسطة التيارات الهوائية لتستقر في النهاية على أشجار الأرز والغابات المجاورة للمزبلة.
خالد الزيتوني






























