الغبزوري السكناوي
ييتابع الرأي العام منذ أيام نقاشا واسعا حول وضع الصحافة في المغرب، بعد الضجة التي أثارتها التسريبات المنسوبة لاجتماع لجنة الأخلاقيات. هذا التفاعل، رغم حدته، ليس سوى واجهة تطل على مشهد أعمق بكثير؛ مشهد يكشف أن ما نعيشه ليس أزمة ظرفية ولا تباينا عابرا في المواقف، بل امتداد لمسار طويل تراكمت خلاله اختلالات جعلت المهنة تتحرك داخل حقل هش، تتداخل فيه حسابات السلطة والاقتصاد وضعف التكوين وتراجع الثقة، حتى أصبح النقاش العمومي نفسه عاجزا عن الإمساك بجوهر الأزمة.
وعندما نعود إلى الخلف قليلا، ندرك أن جذور الوضع الراهن بدأت قبل أن يكون هناك نقاش حول أخلاقيات المهنة أو تنظيماتها. فالصحافة المغربية ولدت في سياق سياسي أكثر منه مهني، وارتبطت في بداياتها الأولى بروح المقاومة وأدوار التعبئة، لا بقواعد الاحتراف. هذا التأسيس غير المتوازن جعل المهنة تدخل زمن الاستقلال وهي تفتقر إلى تراكم مؤسساتي قادر على خلق ثقافة تحريرية مستقلة. ومع سيطرة الدولة على الفضاء الإعلامي لعقود، تُرسّخ نموذج يقوم على الولاء أكثر مما يقوم على المهنية، وهو إرث ظل يتسلل إلى بنية المؤسسات الإعلامية حتى اليوم.
وفي السبعينيات والثمانينيات، عرف المغرب مرحلة من الرقابة الصارمة تركت أثرا عميقا في الممارسة الصحفية. فالرقابة الذاتية التي نراها اليوم ليست سلوكا طوعيا، بل نتيجة مباشرة لتاريخ طويل من الحذر، جعل الصحفي يتحرك داخل مساحة محكومة بالخوف أكثر مما تحكمها قواعد المهنة. وحين ظهر جيل الصحافة المستقلة في التسعينيات، وفتح المجال أمام خطاب أكثر جرأة، اصطدمت تلك التجارب بواقع اقتصادي هش لم يسمح لها بالصمود، فانتهى أغلبها إلى التوقف بمجرد اشتداد الضغط المالي وتراجع الإشهار.
ومع التحول الرقمي، أصبح المشهد أكثر تعقيدًا؛ فقد انهار النموذج الورقي دون أن يتشكل نموذج رقمي متماسك. انتشرت منصّات بلا تكوين، بلا قواعد تحريرية، وبلا حماية مهنية، وأصبح الكم يطغى على الجودة، والسرعة على التحقق، والضجيج على المعرفة. وفي غياب سياسة واضحة للتكوين، وغياب البحث العلمي في مجال الإعلام، تكرست فجوة واسعة بين ما ينتظر من الصحافة وما يمكن أن تقدمه فعليا، بينما استحوذت المنصات العالمية على سوق الإعلانات، تاركة المقاولات المحلية في وضع هش لا يسمح بتجديد غرف التحرير ولا بحماية العاملين فيها.
هكذا تبدو الأزمة اليوم: تشابك بين ضعف التكوين، وانكماش اقتصادي، وارتباك مهني، وتراجع ثقة الجمهور، وغياب إرادة جماعية لصناعة إعلام قوي ومستقل يلتصق فعليا بهموم المواطن. وما التسريبات الأخيرة إلا مدخل صغير لفهم مشهد أكبر بكثير؛ مشهد تتداخل فيه الذاكرة السياسية بالإكراهات الاقتصادية، ويختلط فيه غياب التكوين بقصور التنظيم الذاتي، ويصبح فيه إدراك الأزمة خطوة أولى نحو مواجهتها، شرط الاعتراف بأن جذورها ليست طارئة، بل هي نتاج مسار كامل يحتاج إلى قراءة شجاعة وإصلاح حقيقي يبدأ من الجامعة قبل أن يصل إلى قاعة التحرير.
في خلفية هذا المشهد، يظل الغياب شبه الكامل للبحث الأكاديمي في الإعلام أحد أكثر عناصر إرباكا للمهنة. فالمجال يعمل منذ سنوات خارج الجامعة، بلا دراسات تفسر التحولات، ولا أبحاث تراكم المعرفة، ولا مختبرات تفكر في مستقبل الصحافة. ومع كل نقاش حول إصلاح القطاع، نقفز مباشرة إلى الرقمنة وكأن العطب تقني لا معرفي، فنختزل الصحفي في تشغيل المنصات “مشغل أدوات” دون تأصيل لفهم المجتمع وسياقه، مما يحول الصحفي إلى ناقل للوقائع بلا تحليل أو تفسير أو رؤية استراتيجية
وهكذا يصبح الصحفي تدريجيا وسيطًا يكتفي بنقل الحدث دون تقييم أو ربط بما يجري في السياسة والاقتصاد والثقافة… وهذه النتيجة ليست انفلاتا ظرفيا، بل امتداد لاختيارات عمومية أرادت إعلاما ضعيفا أقل إزعاجا من إعلام مهني مستقل، تماما كما أنتجت أحزابا بلا قاعدة فكرية ومجتمعا مدنيا محدود التأثير. وفي النهاية، يجد أبناء المهنة أنفسهم أمام أزمة لم يصنعوها، تشكلت بفعل ضعف التكوين، وانقطاع الصحافة عن المعرفة، وتغليب الحسابات السياسية على بناء مشهد إعلامي قوي يخدم المصلحة العامة.
رئيس مركز سياق لعلوم الإعلام والإتصال































