الغبزوري السكناوي
لم تكن طقوس رمضان يوما منفصلة عن شكل العمران الذي يحتضنها. فالمكان لا يوفر فقط جدرانا وسقوفا، بل يصنع أنماطا من العلاقات والسلوك اليومي. حين كان البيت التقليدي مفتوحا على فناء داخلي أو زقاق ضيق، كانت الحياة الرمضانية تتنفس في فضاءات مشتركة، ويتداخل الخاص والعام في مشهد واحد. ومع تحولات العمران الحديثة، تغير هذا الإيقاع تدريجيا، فتبدلت أشكال اللقاء، وانكمشت بعض الطقوس، وظهرت أخرى جديدة أكثر انسجاما مع الشقق المغلقة والمجمعات السكنية المعاصرة.
الانتقال من البيت المفتوح إلى الشقة المغلقة لم يكن مجرد تغيير معماري، بل تحول اجتماعي عميق. في المنازل القديمة، كان الباب نصف مفتوح، والصوت يصل بسهولة من بيت إلى آخر، ما يجعل الإفطار حدثا شبه جماعي حتى داخل الخصوصية. أما في العمارات الحديثة، فقد عززت الأبواب الحديدية وأنظمة الحراسة شعورا بالعزلة المنظمة. صار الجار يعرف اسم جاره أحيانا دون أن يعرف تفاصيل يومه، وأصبحت الدعوات للإفطار تحتاج إلى ترتيب مسبق بدل العفوية التي كانت تميز الأزقة القديمة.
ومن أبرز الفضاءات التي اختفت تقريبا “السطوح” التي كانت مجالًا اجتماعيا بامتياز. هناك كانت الأسر تلتقي بعد التراويح، ويتبادل الأطفال اللعب، وتتابع العائلات أجواء الحي من أعلى. السطح لم يكن مجرد مساحة لنشر الغسيل، بل منصة للتواصل وتبادل الأحاديث ومراقبة حركة المدينة ليلا. اليوم، حلت محل تلك المساحات تجهيزات تقنية أو أُغلقت بدواعٍ أمنية، فانحسر دورها الاجتماعي، وتراجعت معها لحظات اللقاء العفوي التي كانت تضفي على ليالي رمضان دفئا خاصا.
أما المساجد، فقد عرفت بدورها تحولات تعكس تغير البنية العمرانية. المساجد القديمة في قلب الأحياء كانت جزءا من نسيج يومي مألوف، يعرف روادها بعضهم بعضا، وتتشكل حولها شبكة علاقات تتجاوز الصلاة. في المقابل، ظهرت مجمعات حديثة تضم مساجد واسعة ومواقف سيارات منظمة، تستقبل أعدادا كبيرة من المصلين من أحياء متعددة. الاتساع منح راحة تنظيمية، لكنه أضعف أحيانا الإحساس بالانتماء المحلي الذي كانت تصنعه المساجد الصغيرة المرتبطة مباشرة بالحي وسكانه.
الهجرة الداخلية زادت من تعقيد المشهد الرمضاني في المدن. انتقال آلاف الأسر من القرى أو المدن الصغيرة إلى المراكز الحضرية الكبرى خلق تنوعا في العادات والطقوس داخل البناية الواحدة. قد يجتمع في الطابق نفسه أشخاص يحمل كل منهم تقاليد مختلفة في الإفطار والسحور والاحتفال بليالي الشهر. هذا التنوع يثري التجربة أحيانا، لكنه يخلق أيضا مسافة ثقافية تجعل التلاقي أقل تلقائية، خصوصا حين يغيب الإطار الاجتماعي الذي كان يجمع الجميع في فضاء واحد مألوف.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن طقوس رمضان تراجعت بقدر ما أعادت تشكيل نفسها. فقد انتقلت بعض اللقاءات إلى المقاهي والمراكز التجارية، وتعوض وسائل التواصل جزءا من غياب الجلسات الجماعية. العمران الجديد فرض إيقاعا مختلفا، لكنه لم يلغِ الحاجة إلى الاجتماع والمشاركة. يظل رمضان مرآة لتحولات المدينة نفسها؛ كلما تغير شكلها، تغير معه شكل الاحتفال بها، بينما تبقى الرغبة في التقارب حاضرة تبحث عن فضاء جديد تحتضنه.































