الغبزوري السكناوي
قبل سنوات، كانت بعض الأحزاب تتعامل مع حراك الريف كما يتعامل حارس حدود مع جيش أجنبي. لم يكن الأمر يتعلق بمواطنين يحتجون على أوضاع اجتماعية واقتصادية، بل ـ حسب البيانات والتصريحات الرسمية آنذاك ـ بمشروع يهدد الوحدة الوطنية ويستهدف استقرار البلاد ويقف على تخوم الانفصال. أما اليوم، ومع اقتراب تشريعيات 2026، فقد تحول المشهد فجأة من غرفة الاتهام إلى قاعة الاعتذار، ومن لغة التخوين إلى لغة الود والاستعطاف.
أول من فتح هذا الباب كان “الرفيق” سعد الدين العثماني، الذي اكتشف بعد سنوات أن ما صدر عن حزبه في حق الحراك لم يكن سليما. وقبل أن يهدأ صدى ذلك الاعتذار، وقف أول الأمس الحاج نبيل، الأمين العام لبقايا الحزب الشيوعي المغربي، على أرض الريف ليعلن أن اتهام الحراك بالانفصال كان “مصيبة”. والحق أنها كلمة موفقة، لأن المصيبة لم تكن في الحراك بل في الاتهام نفسه. غير أن السؤال يبقى قائما، هل نحن أمام مراجعات سياسية عميقة أم أمام موجة حنين انتخابي مبكر؟
فالذين وجهت إليهم تلك التهم لم يكونوا أطرافا في خلاف عابر على جنب الواد. بل كانوا آلافا من المواطنين الذين وجدوا أنفسهم في قلب عاصفة سياسية وإعلامية وأمنية وقضائية امتدت لسنوات. يومها لم تكن مفردات الانفصال وتقويض الوحدة الوطنية مجرد زلات لسان، بل كانت أوصافا ثقيلة ساهمت في تشكيل مناخ من التوتر والاحتقان. واليوم يطلب من الجميع أن يتعاملوا مع الأمر كما لو أنه سوء تفاهم وقع في طابور لاقتناء الخبز، أو خطأ بسيطا يمكن أن تمحوه كلمة اعتذار جاءت بعد ما يقارب عقدا كاملا من الزمن.
ثم إن الاتهام لم يصدر في جلسة خاصة حتى يُسحب في لقاء حزبي محدود الاثر والعدد. لقد صدر في بيانات رسمية وتصريحات إعلامية وعلى أمواج الإذاعة الوطنية وقنوات القطب العمومي. وهنا على الأقل كان يفترض أن يستحضر هؤلاء “التوابون الموسميون” قاعدة توازي الأشكال، وهو مبدأ يعرفه طلبة السنة الأولى في القانون، وبالأحرى سياسيون قضوا عقودا في تدبير الشأن العام. فما أُعلن رسميا أمام ملايين المغاربة لا يكفي لتصحيحه لقاء محدود أو مقطع متداول على مواقع التواصل الاجتماعي مهما بلغت حسن النيات.
وإذا كان الحاج نبيل قد اقتنع أخيرا بأن اتهام حراك الريف بالانفصال كان مصيبة، فهل تكتمل التوبة السياسية بالاعتذار وحده؟ وهل سنراه يترافع لدى مؤسسات الدولة والمنظمات الحقوقية الدولية لمعالجة آثار تلك المصيبة؟ وهل سنسمع حلفاءه في الأممية الاشتراكية يطالبون بإنصاف من دفعوا ثمن ذلك المناخ السياسي؟ أم أن الأمر لا يتجاوز موسما انتخابيا عاديا تستعاد فيه لغة المصالحة إلى حين انتهاء الحاجة إلى الأصوات والأنصار؟
فالمسألة لا تتعلق بمجرد خطأ في التقدير أو وصف سياسي متسرع، بل بخطاب ساهم في توفير الغطاء السياسي والأخلاقي لسردية جرى تسويقها لسنوات. ولم تكن تلك السردية بلا كلفة. فهناك من قضى سنوات من عمره خلف القضبان، وهناك من لا يزال يؤدي ذلك، وأكثر من ذك هناك أسرا دفعت الثمن باهظا سواء من الانتظار أو الحرمان والقلق، ومنطقة كاملة وجدت نفسها موضوعة تحت مجهر الشبهة والريبة. لذلك يبدو الاعتذار اليوم أقل من أن يجيب وحده عن أسئلة صنعتها سنوات كاملة من الاتهام.
والحقيقة أن الحاج نبيل لا يحتاج إلى الاعتذار عن رمي الحراك بتهمة الانفصال فقط. فذاكرة الحسيمة تحتفظ له بملفات أخرى لا تقل ثقلا. فقد كان وزيرا للسكنى وسياسة المدينة عندما انفجرت قضية تعثر مشاريع برنامج “الحسيمة: منارة المتوسط”، وانتهى الأمر بإعفائه من مهامه بقرار ملكي. ولم يكن وحده في تلك اللائحة، بل رافقه وزير الصحة الحسين الوردي، ومحمد الأمين الصبيحي وزير الثقافة. والمفارقة أن المشروع لو أُنجز كما خطط له لما خرج الناس أصلا للاحتجاج.
والغريب أن للحسيمة قصة طويلة مع الحاج نبيل. فقبل برنامج “الحسيمة: منارة المتوسط” بسنوات، وبينما كانت المنطقة تستفيق على زلزال بقوة 6.3 درجات، وكانت فرق الإنقاذ لم تنطلق بعد للبحث عن الأحياء والجثث تحت الردم والمباني، خرج صباح 24 فبراير 2004، بصفته وزيرا للاتصال وناطقا رسميا باسم الحكومة، ليعلن مز أمام مقر عمالة الحسيمة عبارته الشهيرة، “سيطرنا على الوضع”. تصريح جاء مبكرا إلى درجة بدت معها الكارثة نفسها متأخرة عن مواكبة ذلك الإعلان المتفائل.
ورغم كل ما سبق، لا أحد يعترض على فضيلة الاعتذار. لكن الاعتذار الذي يأتي بعد تسع سنوات من الصمت، وعلى أبواب موسم انتخابي جديد، يفقد كثيرا من بريقه الأخلاقي. فالاعتذار الحقيقي لا يقاس بالكلمات، بل بالاستعداد لتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عما ترتب عن الخطأ. أما حين يصل الاعتذار متزامنا مع العد العكسي للانتخابات، فإنه يبدو أقرب إلى منشور دعائي منه إلى مراجعة أخلاقية أو سياسية عميقة وحقيقية.
وغدا، بعد أن تطوى صناديق الاقتراع وتزال صور المرشحين من الجدران، سيبقى السؤال معلقا في سماء الريف، إذا كانت اتهامات الأمس مصيبة بالفعل، فمن يتحمل مسؤوليتها؟ ومن يعوض سنوات كاملة ساهمت فيها تلك الاتهامات في صناعة مناخ من الشك والتخوين؟ أما الاعتذار وحده، فليس أكثر من قسط أول في دين سياسي وأخلاقي ما زال أصحابه ينتظرون سداده. فحين تغيب الأخلاق عن السياسة تصبح المواقف قابلة للتبديل أكثر من مرة، ويصبح الاعتذار نفسه مجرد محطة انتخابية عابرة في الطريق إلى صندوق الاقتراع. أما الحقيقة، فتظل تنتظر اعتذارا بحجم التهمة لا بحجم الحاجة إلى الأصوات.































