أمين الفياض
لا تقاس المدن بعدد أسوارها ولا بعمر أزقتها، بل بأبنائها الذين يحولون الذاكرة إلى معرفة. ومن بين الأسماء التي منحت تطوان مكانة استثنائية في سجل الثقافة المغربية، يبرز المؤرخ محمد بن عزوز حكيم؛ رجل لم يكتف بقراءة التاريخ، بل أمضى سبعة عقود ينقب في الوثائق، حتى غدا اسمه مقترنا بالأندلس والبحث الرصين، وصار واحدا من أبرز من أعادوا للذاكرة التاريخية صوتها من قلب تطوان.
ولد محمد بن عزوز حكيم في الرابع والعشرين من شتنبر سنة 1924 بمدينة تطوان، في أسرة أندلسية حملت معها إلى المغرب إرثا حضاريا ترك أثره العميق في تكوينه. درس بالمدرسة الإسبانية خلال فترة الحماية، ثم تابع تعليمه بجامعة مدريد، حيث برزت موهبته مبكرا. ولم يكن قد تجاوز الثامنة عشرة عندما نشر، سنة 1940، كتاب “رحلة في الأندلس” باللغة الإسبانية، ليصبح أول مغربي يصدر كتابا بهذه اللغة.
ولأن شغفه بالتاريخ لم يكن نظريا، فقد قادته المهام الإدارية التي تقلدها في مؤسسات الحماية الإسبانية إلى أرشيفات نادرة ووثائق ظلت بعيدة عن الباحثين لسنوات. وهناك وجد مادته الأولى، فحول الوثيقة إلى منطلق للبحث، وأعاد قراءتها بمنهج علمي دقيق، حتى رسخ اسمه بين أبرز المتخصصين في تاريخ المغرب والأندلس، وجعل من الأرشيف شريكا دائما في مشروعه العلمي.
ومن الوثيقة انتقل إلى لغاتها، فأتقن خمس لغات، من بينها الإسبانية والإيطالية والإنجليزية، ليعود إلى المصادر في أصولها، لا عبر النقل أو الاختصار. وعلى امتداد نحو سبعين عاما، راكم منجزا علميا استثنائيا بلغ ثلاثمائة وعشرين كتابا باللغتين العربية والإسبانية، إلى جانب عشرات التحقيقات والدراسات والمقالات المحكمة، التي كرست مكانته مرجعا دوليا في الدراسات المغربية والأندلسية.
ولم يبق أثر هذا المنجز حبيس رفوف المكتبات، بل حمله إلى جامعات ومؤسسات علمية في بلدان عديدة، محاضرا في التاريخ المغربي والإسباني، ومدافعا عن قيمة الوثيقة ودقة البحث. وبفضل حضوره العلمي الوازن، تحول إلى مرجع يقصده الباحثون والجامعات، وأسهم في ترسيخ مكانة المدرسة المغربية في دراسة تاريخ الأندلس وصلاتها بالمغرب.
رحل محمد بن عزوز حكيم في الأول من شتنبر سنة 2014، قبل أسابيع قليلة من بلوغه عامه التسعين، لكن ما خلفه تجاوز حدود العمر. فقد ترك مكتبة عامرة بالمعرفة، ومنهجًا يقوم على احترام الوثيقة، وإرثا علميا ما يزال حاضرا في الدراسات الأندلسية. وهكذا بقي اسمه واحدا من الأسماء التي منحت تطوان حضورا دائما في سجل المؤرخين الكبار، وجعلت من الذاكرة مشروعا لا ينتهي.






























