تتجه الخريطة الانتخابية بالحسيمة إلى إعادة ترتيب مواقع النفوذ المحلي، مع بروز تراجع واضح في الدور الذي ظل يؤديه الأعيان التقليديون في صناعة التوازنات الانتخابية وتوجيه الاختيارات داخل عدد من المجالات الترايية المحلية. ويأتي هذا التحول في سياق تتراجع فيه فعالية النفوذ القائم على الامتداد العائلي والديني والروابط التقليدية، مقابل صعود أعيان جدد يستمدون حضورهم من الرأسمال الاقتصادي وشبكات العلاقات المهنية والاجتماعية.
ولم يعد حضور الأعيان التقليديين في المشهد الانتخابي يحتفظ بالثقل نفسه الذي ارتبط بهم خلال الإستحقاقات السابقة، بعدما أصبحت عملية استقطاب الناخبين أكثر ارتباطا بشبكات جديدة للنفوذ والتعبئة. فالرصيد العائلي أو الديني، الذي كان يشكل إحدى الأدوات الأساسية في التأثير على الاختيارات الانتخابية، بات يواجه منافسة من مصادر أخرى للنفوذ الاجتماعي، في ظل تغير طبيعة العلاقات داخل المجتمع المحلي.
وكان نفوذ الأعيان التقليديين يستند أساسا إلى المكانة العائلية والامتداد الاجتماعي المتوارث، وما يرافقهما من علاقات داخل المجال المحلي. غير أن هذه المقومات لم تعد وحدها كافية، اليوم، لصناعة الخريطة الانتخابية بالإقليم أو ضمان القدرة نفسها على التعبئة الشعبية، خصوصا مع تغير أنماط العلاقة بين الناخبين والوسطاء المحليين، وتوسع شبكات التأثير المرتبطة بالمجال الاقتصادي والمهني.
وفي المقابل، يبرز الأعيان الاقتصاديون باعتبارهم أحد مكونات هذا التحول الإنتخابي محليا، مستفيدين من مواقعهم داخل المجال الاقتصادي ومن شبكات مهنية وتجارية واجتماعية يمكن توظيفها في التعبئة والوساطة الانتخابية. هذا النوع من النفوذ لا يقوم بالضرورة على الانتماء أو الإمتداد العائلي أو الإرث الانتخابي، وإنما تبدو خريطة متحركة بدورها، تتقدم فيها أسماء لفترة وتتراجع أخرى، وتنتقل فيها مواقع المساندة من طرف إلى آخر بحسب كل انتخابات.
وعلاقة الأعيان الإقتصاديين بالأحزاب تختلف أيضا عن النموذج التقليدي الذي كان سائدا محليا، إذ يلاحظ أن المكانة الاقتصادية لهؤلاء الأعيان تفتقد أساسا إلى تلك الصلة أو ذلك الارتباط التنظيمي الثابت بحزب واحد، حيث يمكن أن تتغير الانتماءات تبعا لموازين القوة في التنافس الانتخابي والحسابات المرتبطة بكل استحقاق، ما يجعل شبكات النفوذ أكثر مرونة وأقل ارتباطا بالولاءات الحزبية والعائلية التقليدية
ومع دخول الحملة الانتخابية أسبوعها الأخير، تزداد أهمية هذه الشبكات في عمليات التعبئة والاستقطاب، لكن وزنها الفعلي يظل مرتبطا بقدرتها على تحويل النفوذ الاقتصادي إلى حضور انتخابي واضح يوم الاقتراع. وهو ما يجعل التحول في مواقع الأعيان جزءا من التحولات التي بدأت تعرفها آليات صناعة الخريطة الانتخابية محليا، دون أن يعني ذلك اختفاء الدور التقليدي للأعيان أو انحساره بشكل كامل.
























