أمين الفياض
برحيل عبد السلام الطويل مساء يوم أمس، الأربعاء فاتح يوليوز 2026، تفقد الساحة الثقافية المغربية واحدا من الكتّاب الذين شيدوا تجربتهم بعيدا عن الأضواء، وجعلوا من الأدب والفكر وجهين لمشروع ثقافي واحد. فقد ظل، على امتداد مساره، وفيا للكتابة باعتبارها فعلا للمعرفة، لا مجرد ممارسة إبداعية، متنقلا بثقة بين القصة والرواية والترجمة والنقد والدراسات الفكرية، في تجربة اتسمت بالتنوع والعمق والرصانة.
في قرية “أحد الغربية” بإقليم طنجة، حيث وُلد سنة 1963، بدأت أولى ملامح هذه الرحلة. ومنها انتقل إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، ليدرس الفلسفة ويحصل على الإجازة سنة 1987، ثم شهادة استكمال الدروس سنة 1991. ولم يكن اختياره للفلسفة مجرد مسار جامعي، بل أصبح جزءا من هويته الفكرية، فانعكس بوضوح على كتاباته التي جمعت بين حس السارد ودقة الباحث، وبين الخيال الأدبي وصرامة التفكير.
بدأ عبد السلام الطويل حضوره في المشهد الأدبي بنشر أولى قصصه “العازف على الماء” سنة 1986، قبل أن تتوالى نصوصه في الصحف والمجلات المغربية والعربية، ثم التحق باتحاد كتاب المغرب سنة 1992. وشيئا فشيئا، اتسعت تجربته لتثمر أعمالا في القصة والرواية، من بينها “مدائن الشمس” و”أكاديمية أرخميدس”، كما خاض تجربة الترجمة تحت الاسم المستعار *عبد السلام الدياز”، قبل أن يصدر محكياته الذاتية “اختطاف الغابة”، مؤكدا قدرة الكاتب على التنقل بين الأجناس الأدبية دون أن يفقد صوته الخاص.
وبالموازاة مع مشروعه السردي، شق عبد السلام الطويل طريقه في الدراسات الفكرية والفلسفية، فكتب في قضايا الدولة العربية، والاستبداد، والتأويل، والإصلاح، والتجديد، والتعددية، مقدما أعمالا جمعت بين التحليل النقدي والانشغال بأسئلة الواقع العربي. ولم يكن يفصل بين الأدب والفكر، بل كان يرى أن كليهما ينطلق من سؤال الإنسان، وأن الكتابة، مهما اختلفت أجناسها، تظل بحثا دائما عن المعنى.
برحيل عبد السلام الطويل، لا يغيب اسم من أسماء الثقافة المغربية فحسب، بل تغيب تجربة اختارت التراكم الهادئ على الحضور الصاخب، وآمنت بأن قيمة الكاتب تقاس بما يتركه من أثر في الفكر والوجدان. وتبقى أعماله، السردية والفكرية، شاهدة على مسيرة كاتب جمع بين القاص والروائي، والمترجم والناقد، والمفكر والباحث، تاركا إرثا سيظل حاضرا في ذاكرة الأدب والثقافة المغربية.































