الغبزوري السكناوي
على رقعة الشطرنج تتبدى بعض ملامح شخصية الصادق الرغيوي قبل أن تتضح سيرته النقابية؛ حيث لا تقاس الخطوة بذاتها بل بما تفتحه من احتمالات. في هذا التوازن بين الصبر والحساب، يتشكل مسار قيادي داخل النقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت الفيدرالية الديمقراطية للشغل، وصولا إلى موقع الكاتب العام، ضمن سياق نقابي وطني طبعته إصلاحات متتالية وتوترات مستمرة داخل قطاع التعليم العمومي.
على بعد أيام من فاتح ماي، حيث يستعيد العمل لنقابي رمزيته، تحل اليوم، 24 أبريل 2026، الذكرى السادسة والستون لميلاد الصادق الرغيوي، في تزامن يفتح السيرة على معنى يتجاوز استحضار الذكرى نحو قراءة مسار قيادي متميز. هنا لا يتعلق الأمر باسم شخص عادي، بل بفاعل راكم حضوره داخل المدرسة العمومية وواجهات التمثيل النقابي، حيث تبنى المسؤولية بالتدرج داخل دوائر الفعل النضالي، بعيدًا عن الاستعراض.
ولد سنة 1960 ب”بني أحمد إموكزن” بإقليم الحسيمة، في بيئة جبلية صاغت وعيه المبكر بإيقاع الندرة وتدبير الممكن. سنة 1965 انتقل إلى العرائش، في عبور من قسوة المجال القروي إلى انفتاح نسبي للمدينة، ما رسخ لديه تصورا واضحا، التعليم ليس خيارا تقنيا، بل رافعة للترقي الاجتماعي. ضمن هذا الأفق، تكرس ارتباطه بالمعرفة باعتبارها رأس مال فعلي داخل مجتمع غير متكافئ.
تشكلت شخصية الرغيوي على إيقاع التروي والإنصات، مع ميل إلى تفكيك المواقف قبل الحسم فيها، دون أن يفضي ذلك إلى تردد. هو هدوء قيادي يقوم على ضبط الانفعال وتوجيهه عوض الإندفاع، وعلى تحويل القناعة إلى قرار حين تكتمل شروطه. في حياته الخاصة، يحافظ على توازن أسري وانفتاح اجتماعي هادئ، مع حضور نضالي مستمر، يشكل امتدادا طبيعيا لتكوينه الفكري والسياسي.
جعل من التعليم مسارا مهنيا ونضاليا، فقد تخرج من المدرسة العليا للأساتذة بمكناس أستاذا للتعليم الثانوي، قبل أن يعمق تكوينه الأكاديمي بدبلوم الدراسات العليا المعمقة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان. داخل القسم، لم ينظر إلى التدريس باعتباره مجرد وظيفة، بل كمدخل لفهم البنية الاجتماعية، حيث تتحول المدرسة العمومية إلى مرآة لأسئلة العدالة، المعرفة وإعادة إنتاج الوعي داخل المجتمع.
انطلق من الشبيبة الاتحادية، حيث تمرس على العمل التنظيمي واكتسب أدوات الفعل الجماعي، قبل أن يتدرج داخل العمل النقابي، وبالضبط بهياكل النقابة الوطنية للتعليم التابعة للفيدرالية الديمقراطية للشغل، وصولا إلى موقع الكاتب العام. مسار بني بالتراكم لا بالواجهة، واشتغل ضمنه على ملفات التمثيل، التفاوض والدفاع، في سياق تعليمي واجتماعي يتسم بالحساسية والتحول المستمر داخل منظومة التربية والتعليم العمومي.
على المستوى الدولي، ساهم في تأسيس اتحاد نقابات التعليم بالمغرب الكبير، وتولى مهمة الأمين العام المساعد لاتحاد المعلمين العرب، إلى جانب مسؤوليته كنائب الكاتب العام للفيدرالية الديمقراطية للشغل. هذا الامتداد يعكس انتقاله بالعمل النقابي، داخل قطاع التعليم، من الدينامية المحلية إلى أفق أوسع من النضال، ضمن تصور يجعل التنسيق المهني رافعة لتقوية الحضور، وتعزيز موقع الفاعل داخل شبكات نقابية مهنية عابرة للحدود.
سياسيا، خاض تجربة مجلس المستشارين، حيث نقل ملفات الشغيلة التعليمية إلى المؤسسة التشريعية، في سعي إلى ربط التمثيلية النقابية بآليات القرار العمومي. هذه التجربة أبرزت حضوره كفاعل وسيط بين الميدان والمؤسسات، يشتغل على تحويل المطالب المهنية إلى قضايا سياسات عمومية قابلة للتأطير داخل دوائر التشريع والتفاوض وصناعة القرار المرتبط بقطاع التربية والتعليم وإصلاحه المتواصل.
بهذا التراكم، تتشكل صورة، ابن صنهاجة السراير، النقابي الصادق الرغيوي كقيادي يجمع بين التكوين الأكاديمي، والممارسة المهنية، الاشتغال التنظيمي والامتداد الدولي، ضمن مسار يقوم على التدرج لا القفز. ونحن على أبواب فانح ماي، يستحضر اسم الصادق الرغيوي كفاعل اشتغل داخل النقابة بمنطق العمل الهادئ، وبإيقاع طويل النفس في بناء الأثر داخل المدرسة العمومية والفضاء النقابي الوطني والعربي.































