أمين الفياض
في مجال علمي شديد الدقة يتقاطع فيه الطب مع أسرار الدماغ، يبرز اسم العالم المغربي عبد الحميد بنعزوز كأحد الباحثين الذين ارتبط اسمهم بدراسة مرض *باركنسون” وتطوير فهم علمي لتقنية التحفيز الدماغي العميق. هذا الباحث الذي انطلق مساره من المغرب قبل أن يستقر في مختبرات البحث بفرنسا، ساهم عبر سنوات من العمل في توسيع المعرفة العلمية بالدوائر العصبية المرتبطة بالحركة وبالآليات التي تجعل الدماغ يفقد توازنه الحركي في هذا المرض.
بدأت ملامح المسار العلمي للبروفيسور عبد الحميد بنعزوز في القصر الكبير حيث تابع دراسته في العلوم الطبيعية بالثانوية المحمدية، قبل أن يلتحق بجامعة عبد الملك السعدي بتطوان لدراسة العلوم البيولوجية. هناك تبلور اهتمامه بعلم الحياة وبآليات عمل الجسم البشري، وهو الاهتمام الذي سيقوده لاحقا إلى التخصص في علوم الأعصاب، أحد أكثر الحقول العلمية تعقيدًا وتشابكا.
التحول الحاسم في مساره جاء مع انتقاله إلى فرنسا لمتابعة دراسته العليا في جامعة “بوردو”، حيث تخصص في علم الأعصاب وعلم الأدوية. هناك بدأ اهتمامه العلمي يتجه نحو مرض “باركنسون”، أحد أكثر الأمراض العصبية تعقيدا وتأثيرا في الحركة البشرية. في هذا السياق اشتغل على دراسة آليات التحفيز الكهربائي عالي التردد للنواة تحت المهاد، وهي منطقة صغيرة في الدماغ تلعب دورا أساسيا في تنظيم الحركة.
هذا العمل البحثي لم يكن مجرد موضوع أطروحة جامعية، بل أصبح مدخلا علميا لفهم أعمق لكيفية تأثير التحفيز الدماغي العميق في التخفيف من أعراض المرض. في المختبرات التي عمل فيها ضمن فرق بحث فرنسية متقدمة، شارك بنعزوز في تطوير المقاربة العلمية التي تدرس تأثير التحفيز الكهربائي على الدوائر العصبية المرتبطة بالحركة. وقد ساهمت هذه الأبحاث في توضيح كيفية عمل تقنية التحفيز الدماغي العميق، وهي التقنية التي أصبحت اليوم إحدى أهم الوسائل العلاجية لمرض “باركنسون” في العالم.
هذه المساهمة البحثية وضعت اسمه ضمن دائرة الباحثين الذين أسهموا في توسيع الفهم العلمي لآليات هذا العلاج. منذ نهاية التسعينيات، أصبح بنعزوز جزءا من منظومة البحث العلمي الفرنسية، حيث التحق بالمعهد الوطني للصحة والبحث الطبي، قبل أن يشغل لاحقا منصب مدير أبحاث في المركز الوطني للبحث العلمي في “بوردو”. داخل هذه المؤسسات قاد فريقا بحثيا يركز على دراسة الآليات العصبية لمرض “باركنسون” وعلى فهم تأثير التحفيز الدماغي العميق في الشبكات العصبية التي تتحكم في الحركة.
انعكست هذه الجهود في إنتاج علمي وازن، إذ نشر عشرات الدراسات في مجلات علمية دولية متخصصة في علوم الأعصاب، وشارك في تأليف فصول في كتب علمية، إضافة إلى حضوره المنتظم في مؤتمرات دولية تناقش أحدث التطورات في أبحاث الدماغ والأمراض العصبية. وقد جعلت هذه الأعمال من اسمه مرجعا علميا في الدراسات المرتبطة بآليات التحفيز الدماغي العميق.
الاعتراف العلمي بهذا المسار لم يتأخر، فقد حاز جوائز علمية من مؤسسات أكاديمية فرنسية تقديرا لإسهاماته في البحث العصبي، من بينها جوائز من الأكاديمية الوطنية للطب وأكاديمية العلوم في فرنسا. غير أن قيمة هذه الجوائز، بالنسبة لمسيرته، لا تكمن فقط في بعدها التكريمي، بل في كونها تعكس الأثر العلمي للأبحاث التي شارك في تطويرها داخل هذا المجال المتخصص.
ورغم انخراطه الكامل في منظومة البحث العلمي الأوروبية، ظل ارتباطه بالمغرب حاضرا في مساره، سواء من خلال مشاركاته في لقاءات علمية تنظمها مؤسسات جامعية مغربية، أو عبر مساهمته في تأطير طلبة وباحثين مغاربة في مراحل الدكتوراه. بهذا المعنى لم يكن حضوره في الخارج قطيعة مع المجال العلمي في بلده، بل شكل امتدادا له في فضاء البحث الدولي.
بهذه المسيرة التي تمتد بين المختبرات والجامعات ومراكز البحث، يتشكل بورتريه عالم مغربي اختار أن يعمل في أحد أكثر الحقول العلمية دقة وتعقيدا. فعبد الحميد بنعزوز لا يختزل في لقب أكاديمي أو منصب بحثي، بل في مسار علمي تبلور عبر سنوات من العمل داخل مختبرات علوم الأعصاب، وأسهم في توسيع المعرفة بمرض “باركنسون” وبالآليات العصبية التي تتحكم في حركة الإنسان.































