أمين الفياض
منذ رحيله، لم يغادر أحمد عبد السلام البقالي ذاكرة أصيلة، ولا ذاكرة القراء الذين عرفوا فيه وجها ثقافيا جمع بين الأدب والعمل الدبلوماسي. لم يكن من أولئك الرجال الذين يحتاجون إلى كثير كلام كي يلفتوا الانتباه، كان حضوره هادئا ومتزنا، يشبه من عرفوا العالم من أبوابه الواسعة ثم أدركوا أن القيمة الحقيقية تسكن في البساطة. خرج من مدينته الصغيرة إلى عواصم كبرى، ثم عاد إليها رمزا لا زائرا، وبقي اسمه مرتبطا بها، بعدما جعلها خزانا للصور والمعاني، ومادة حية لكثير من نصوصه وإشاراته الإنسانية.
ولد سنة 1932 بمدينة أصيلة، المدينة التي لم تغادره قط، حتى وهو يقيم بعيدا عنها. في أزقتها الأولى تشكلت ذاكرته، وبين بحرها وأسوارها القديمة تعلم الإصغاء إلى الحكايات الصغيرة التي تصنع المعنى الكبير. وكان والده الفقيه سيدي عبد السلام البقالي مديرا لمدرسة ابتدائية، وإماما للمسجد الأعظم، وخطيبا للجمعة، فشب الابن في بيت يمنح للعلم هيبته وللكلمة مكانتها.
منذ سنواته الأولى، بدا ميالا إلى المعرفة أكثر من ميله إلى شيء أخر. تابع دراسته بتطوان، ثم انتقل إلى القاهرة حيث نال الإجازة، قبل أن يشد الرحال إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فيحصل على شهادة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة “كولومبيا” بنيويورك. كانت تلك المحطات تفتح أمامه العالم، لكنها كانت تعيده، في الوقت نفسه، إلى أصيلة بصورة أوضح وأعمق من ذي قبل.
بعد ذلك دخل مجال العمل الدبلوماسي، فاشتغل بسفارة المغرب في واشنطن، وتولى مهام قنصل عام ومستشار صحافي في لندن، ثم عاد إلى واشنطن مستشارا ثقافيا. وفي هذه المناصب، كان يمثل بلاده بما يليق بصورة المثقف الهادئ، الذي يعرف أن الأوطان لا تقدم بالخطب وحدها، بل أيضا بالسلوك والمعرفة وحسن التواصل مع الآخرين في مختلف المحافل الدولية.
غير أن الوظيفة، مهما اتسعت، لم تكن أوسع من الكاتب الذي يسكنه. ظل وفيا للأدب، وكتب القصة والرواية للكبار والناشئة، وترك أعمالا متعددة من بينها “المدخل السري إلى كهف الحمام”، “مدينة الأعماق”، “نادية الصغيرة في فم الوحش”، “بطل دون أن يدري”، “رواد المجهول”، “صابر المغفل الماكر”، “الطوفان الأزرق”، و”ليلى تصارع الأمواج”، إضافة إلى مجاميع قصصية أسهمت في إغناء المكتبة المغربية الحديثة.
وكانت أصيلة حاضرة في هذا العالم الابداعي كما يحضر الأصل في الفروع. البحر في نصوصه ليس زينة وصفية، بل ذاكرة وقلق ومصير. والمدينة ليست مجرد خلفية، بل روح تتحرك داخل الشخصيات. أما البسطاء من صيادين وعمال وساكنة الأزقة الشعبية، فقد منحهم مكانة مركزية، كأنه كان يرد إليهم الجميل بعد أن منحوه مادة الحكاية الأولى وصدقها الإنساني النادر.
الذين عرفوه عن قرب، يتحدثون عن رجل لم تفسده المناصب، ولم تصنع بينه وبين الناس مسافة باردة. كان يعود إلى مدينته فيجلس إلى أصدقائه القدامى ببساطة كاملة، يصغي أكثر مما يتكلم، ويتعامل مع الجميع من غير استعراض ثقافي أو رسمي. تلك السجية الهادئة هي ما جعلت صورته الإنسانية توازي صورته الأدبية، وربما تتقدم عليها أحيانا.
رحل أحمد عبد السلام البقالي سنة 2010، لكن بعض الرجال يواصلون البقاء بطريقتهم الخاصة. بقي في كتبه، وفي ذاكرة أصيلة، وفي صورة المثقف الذي خرج إلى العالم دون أن ينفصل عن تربته الأولى. لقد أثبت أن المحلية الصادقة ليست نقيض الانفتاح، بل قد تكون الطريق الأقصر إليه، إذا حملها صاحبها بصدق وذكاء ووفاء.































