الغبزوري السكناوي
بين الدبلوماسية والثقافة، شق محمد محمد خطابي مسارا امتد من الرباط ومدريد إلى عواصم أمريكا اللاتينية، مقدما صورة الدبلوماسي الذي يتحرك بين اللغات والثقافات بعيدا عن الضجيج. ولم يكن غريبا أن ينطلق هذا المسار من أجدير، وبالضبط بالقرب من المَزَمّة، ذلك الفضاء المتوسطي الذي ارتبط، ما بين القرن التاسع والثالث عشر، بالتواصل بين الضفتين. وكما مثلت المَزَمّة قديما نقطة عبور نحو العالم، سيجعل خطابي من الدبلوماسية والكتابة والترجمة معابر أخرى للحوار بين الشعوب والثقافات.
وعلى امتداد مساره المهني والفكري، بدا محمد محمد خطابي وكأنه يختار دائما الوقوف عند نقطة التقاء العوالم المختلفة. فبين العربية والإسبانية، وبين المغرب وأمريكا اللاتينية، وبين الدبلوماسية والثقافة، نسج تجربة يصعب اختزالها في صفة واحدة. وحين يعود المرء إلى بداياته الأولى، تبدو المصادفة الجغرافية وكأنها استعارة لروح مكان ظل رمزا للانفتاح والتواصل الإنساني، وإعلانا عن ميلاد رجل سيقضي جزءا كبيرا من حياته في مد جسور التواصل، حاملا صورة المغرب في الفضاءات الدبلوماسية والثقافية.
بدأت رحلته من مدارس الحسيمة وتطوان، قبل أن يشد الرحال إلى القاهرة حيث حصل سنة 1969 على الإجازة في اللغة العربية وآدابها من جامعة عين شمس. لم يكن اختياره للغة العربية اختيار تخصص فحسب، بل مدخلا إلى عالم أوسع من الفكر والثقافة والمعرفة. وبعد القاهرة، قادته رحلته إلى مدريد حيث نال سنة 1987 الدكتوراه في الآداب من جامعة مدريد المستقلة، قبل أن يضيف إلى تكوينه سنة 2008 دبلوم الدراسات العليا في اللوجستيك من المؤسسة الجامعية اللوجستيكية الكولومبية التابعة لوزارة التربية الوطنية الكولومبية.
في بداياته المهنية، جمع خطّابي بين الإعلام والثقافة، فاشتغل زهاء عشر سنوات بالإذاعة والتلفزة المغربية، مقدما لبرامج في الأدب والثقافة والفكر واللغة. كما عمل خبيرا ومستشارا بمكتب تنسيق التعريب في الوطن العربي التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، ومسؤولا عن أبواب ثابتة في مجلة “اللسان العربي”، إلى جانب عضويته بديوان وزير الإعلام ورئاسته لمصلحة النشر بالوزارة، وهي محطات كرست حضوره داخل الحقل الثقافي والفكري المغربي والعربي.
وحين عبر إلى العمل الدبلوماسي، لم يغادر عالم الثقافة بقدر ما حمله معه إلى فضاءات أوسع. فقد اشتغل ملحقا صحافيا ومستشارا سياسيا وثقافيا وقائما بالأعمال في سفارات المغرب بمدريد وطرابلس والمكسيك والبيرو، قبل أن يتولى مهام القنصل العام للمملكة المغربية في جزر الكناري ومدريد، وعميد السلك القنصلي المعتمد بهما. وبعد ذلك عين سفيرا مفوضا فوق العادة للمغرب في كولومبيا والإكوادور وبنما وترينيداد وطوباغو، جامعا بين الدبلوماسي الذي يمثل بلده والمثقف الذي يحمل قضايا المعرفة والحوار.
وإلى جانب مهامه الرسمية، واصل خطابي مشروعه الثقافي عبر التأليف والترجمة والبحث. نشر كتبا ودراسات باللغتين العربية والإسبانية في المغرب ومصر وتونس وإسبانيا والبيرو وكولومبيا، كما ترجم أعمالا أدبية وشعرية لكتاب من إسبانيا والمكسيك وكولومبيا والبيرو وغواتيمالا وجمهورية الدومينيكان وشيلي والأرجنتين والأوروغواي. ومن خلال هذا الجهد، كان واحدا ممن أسهموا في توسيع حضور الأدب الناطق بالإسبانية داخل الثقافة العربية، وفي بناء حوار معرفي بين فضاءات ثقافية قد تبدو متباعدة.
هكذا، لم يكن محمد خطابي يكتفي بعبور الحدود الجغرافية بجواز سفره الدبلوماسي، بل كان يعبر أيضا حدود اللغة والثقافة والمعرفة بقلب شغوف. وخلف مساره المهني الممتد بين عدد من عواصم العالم، راكم منجزا فكريا غنيا توزع بين التأليف والترجمة والدراسة، تاركا بصمته في أعمال مثل “وداعاً أيتها الأعوام”، و”عدالة الهنود وقصص أخرى”، و”حجر الشمس في الشعر الأمريكي اللاتيني المعاصر”، و”ذاكرة الحلم والوشم”، و”أمريكا الجنوبية: الوجه والقناع”. وهي أعمال تكشف الإنشغال الدائم لمحمد خطابي بالإنسان والثقافة وأسئلة الهوية والتفاعل بين الشعوب.
وقد وجد خطابي في تعدد اللغات نافذته الخاصة على العالم؛ خاصة وأنه يجيد العربية والإسبانية والفرنسية والأمازيغية، كما راكمه معرفة مهمة بالإنجليزية والإيطالية. لغات جعلته ينسج علاقة حميمة واستثنائية مع ثقافات متباينة، ومكنته من أن يكون أقرب إلى صورة الوسيط الحضاري منها إلى صورة الدبلوماسي التقليدي. لذلك تبدو سيرته وكأنها رحلة متصلة في البحث عن المشترك الإنساني، حيث تتحول اللغة إلى جسر، والثقافة إلى فضاء للحوار، والمعرفة إلى شكل من أشكال العبور الدائم بين الضفاف والأوطان.
وتتويجا لهذا المسار فقد حصل محمد خطابي على أوسمة وتقديرات رفيعة من المغرب وإسبانيا وكولومبيا، من بينها وسام العرش درجة فارس سنة 2007، ووسام الاستحقاق المدني الإسباني درجة فارس سنة 1981، ووسام الامتياز الديمقراطي الأعلى “سيمون بوليفار”، ووسام “سان كارلوس” بالحمالة الكبرى، وقلادة الاستحقاق الكبرى للكونغرس الكولومبي، إضافة إلى شواهد دكتوراة فخرية وعضويات أكاديمية وثقافية دولية. غير أن قيمة مساره لا تختزل في الأوسمة وحدها، بل في قدرته على الجمع بين صفات قلما تجتمع في شخص واحد، الدبلوماسي الذي يمثل بلده، والمترجم الذي يعبر بين اللغات، والكاتب الذي يحول التجربة إلى معرفة.































