الغبزوري السكناوي
حظيت الباحثة والأكاديمية المغربية فاطمة طحطح بتكريم ضمن فعاليات الدورة الرابعة من مهرجان الشعراء المغاربة بمدينة تطوان منتصف ماي 2026، في التفاتة أعادت إلى الواجهة اسما ظل يتحرك بهدوء داخل خرائط الأدب الأندلسي، بعيدا عن الصخب الذي يرافق الأسماء العابرة. فمنذ سنوات طويلة، ارتبط اسمها بذلك الخيط الخفي الذي يصل المغرب بذاكرته الجنوبية في الأندلس، حيث لا تبدو القصيدة مجرد نص أدبي، بل وثيقة شعورية تختزن المنفى والحنين وأسئلة الحضارة في لحظات التحول والانكسار.
من الحسيمة، حيث البدايات الأولى، إلى مدرجات جامعة محمد الخامس، ثم إلى جامعة غرناطة، تشكل مسار أكاديمي طويل انصرف إلى الأدب الأندلسي باعتباره ذاكرة ممتدة أكثر من كونه تخصصا جامعيا صرفا. داخل هذا المسار، لم تنظر فاطمة طحطح إلى الأندلس باعتبارها ماضيا منغلقا، بل باعتبارها تجربة إنسانية وثقافية ما تزال قادرة على مساءلة الحاضر، بما تختزنه من صور الرحيل والاقتلاع والبحث الدائم عن المعنى بين ضفتين.
في الموسم الجامعي 1984-1985 ناقشت فاطمة طحطح بحثها حول “الشعر في عهد المرابطين بالأندلس والمغرب”، قبل أن تنال سنة 1991 دكتوراه الدولة في موضوع “الغربة والحنين في الشعر الأندلسي”، وهي الدراسة التي ستصدر لاحقا في كتاب تحول إلى واحد من أبرز المراجع المغربية في هذا الحقل. ومنذ ذلك الوقت، اتجه اهتمامها نحو تفكيك صورة الإنسان الأندلسي في لحظات القلق والانكسار، متتبعة حضور الغربة والتصوف والحنين داخل النصوص الشعرية، بوصفها تعبيرا عن اختلال العلاقة بين الإنسان والمكان والزمن.
اشتغلت أستاذة للأدب الأندلسي بجامعة محمد الخامس، الرباط، كما عملت أستاذة زائرة بجامعة غرناطة، وشاركت في مؤتمرات وندوات علمية بالمغرب وإسبانيا وبلجيكا وعدد من العواصم العربية، متتبعة أثر أعلام الأندلس من ابن زيدون والمعتمد بن عباد إلى ابن الخطيب وابن خفاجة. ولم يكن هذا الاشتغال مجرد تتبع تاريخي للأسماء والنصوص، بل محاولة لفهم الكيفية التي تحولت بها الأندلس، عبر الأدب، إلى صورة كبرى للعبور الإنساني بين المجد والأفول، وبين الاستقرار والمنفى.
كما قادها اهتمامها بالتفاعل الحضاري إلى رئاسة وحدة “الغرب الإسلامي ومظاهر التفاعل بين المغرب وإسبانيا”، والانخراط ضمن فرق بحثية متخصصة في التراث الأندلسي وقضايا التواصل الثقافي بين الضفتين. وفي كثير من كتاباتها وأعمالها الأكاديمية، يظهر هذا الوعي بأهمية قراءة التراث خارج النظرة الجامدة، من خلال التعامل مع النص الأندلسي باعتباره كائنا حيا يعكس تحولات المجتمع والوجدان واللغة، لا مجرد مادة محفوظة في بطون الكتب.
نشرت فاطمة طحطح دراساتها في مجلات أكاديمية وثقافية متعددة، ونالت وسام الاستحقاق الوطني سنة 1993، ثم جائزة “الإبداع في الشعر” بالقاهرة سنة 1997 عن كتابها “الغربة والحنين في الشعر الأندلسي”. غير أن ما يميز حضورها الثقافي ليس فقط هذا الرصيد الأكاديمي، بل ذلك الهدوء الذي لازم تجربتها، وجعلها تنتمي إلى جيل من الباحثين الذين اشتغلوا بعيدا عن الاستعراض، تاركين لأعمالهم مهمة التعريف بهم. لذلك ظل اسمها حاضرا داخل المشهد الثقافي المغربي باعتباره جزءا من ذاكرة بحثية انشغلت بالأندلس بوصفها سؤالا حضاريًا مفتوحا، لا مجرد حنين إلى زمن مفقود.































