الغبزوري السكناوي
لم يكن صوتا عابرا في موجة إذاعية، ولا مجرد اسم في أرشيف البث العمومي، بل خيطا خفيا يشد اللغة الأمازيغية إلى الهواء كلما ضاقت بها المساحات. في زمن كانت تدفع فيه إلى الهامش، ظل عبد السلام الزكريتي يفتح لها نافذة، ولو ضيقة، ويصر على أن تعبر. لم يكن حضور الرجل صاخبا، بل عميقا وهادئا، كمن يدرك أن المعركة ليست في رفع الصوت، بل في استمراره، وأن البقاء ذاته شكل من أشكال المقاومة الرمزية للغياب.
ولد عبد السلام الزكريتي سنة 1940 بـ”والمان تارا”، حيث انفتحت طفولته على أولى ملامح التعلم، فالتحق بـ”الكتاب” في سن مبكرة، حافظا لكتاب الله، في زمن كان والده يمارس القضاء بناحية قبيلة اكَزناية بإقليم تازة. ومع نضج مساره، التحق سنة 1957 بالمعهد الديني بالحسيمة لاستكمال تكوينه في العلوم الشرعية، قبل أن يشد الرحال في السنة الموالية إلى جامع القرويين وثانوية ابن كيران بفاس، حيث نال شهادة التعليم الثانوي سنة 1962، ثم واصل دراسته بالرباط بثانوية محمد الخامس.
منذ ولوجه الإذاعة الوطنية سنة 1964، لم يدخل المهنة من بابها السهل، بل عبر مسالكها الأكثر وعورة. في سياق لم يكن منصفا للغة التي يحملها، تشكل صوته تدريجيا، منضبطا ودقيقا، خاليا من الادعاء. كان يؤدي عمله كما لو أنه يرمم غيابا طويلا، لا كما لو أنه يملأ زمن بث. وعلى امتداد عقود، ظل وفيا لهذا الخط، حتى بعد انتقاله سنة 1994 إلى القناة الأولى، حيث أسهم في ترسيخ جملة خبرية أمازيغية تقوم على الصرامة والهدوء.
بدايته في الفضاء الإذاعي كانت وسط ظرفية حساسة، أعقبت أحداث 1963، حيث كانت الدولة تعيد ضبط المجال الإعلامي وتفرض عليه حدودا دقيقة، تقاس فيها الكلمة والنبرة بصرامة. في هذا المناخ المشحون بالحذر، لم يكن الصوت مجرد أداء مهني، بل فعل حضور متأنٍ، يوازن بين ما يجب أن يقال وما يراد له أن يقال. هنا، تشكلت أولى ملامح صوته، هادئا ودقيقا، قادرا على الصمود داخل مسار متشابك بين المهنة والواقع السياسي المحيط.
لكن مسار هذا الشاب، القادم من أحد أضلاع “مثلث الموت”، لم يكن مهنيا فقط، بل وجوديا أيضا. ففي العاشر من يوليوز 1971، وجد نفسه وسط تبادل كثيف لإطلاق النار بمحيط دار البريهي خلال محاولة الانقلاب، لم تكن لحظة تروى، بل تعاش. ورغم الخوف، واصل أداء مهامه، إلى جانب زملائه الحنفي، فاطمة الزياني وحمادي اليزيد، كأن الصوت الموجه إلى الناس يجب أن يستمر مهما ارتبك الواقع. حينها لم يكن البث مجرد نقل، بل فعل ثبات، حتى بدت بعض طرائفه، كنسيان افتتاح بث، تفاصيل إنسانية داخل مسار مشدود بالصرامة.
بعيداً عن الميكروفون، واصل الزكريتي اشتغاله على الذاكرة، جامعا أكثر من ألف مثل شعبي من التراث الشفوي للريف، في محاولة لإنقاذ ما يتآكل بصمت. كما انشغل بسيرة المقاومة، فأصدر سنة 2021 كتابا عن والده المقاوم، مستعيدا زمن الكفاح بوصفه امتدادا شخصيا وتاريخيا. هكذا كان مساره متماسكا من الصوت إلى النص، ومن الخبر إلى الذاكرة، في سعي دائم لحماية المعنى من التبدد وإبقاء الأثر حيّا.































