أمين الفياض
في الحسيمة، حيث تتقاطع صرامة الطبيعة مع اقتصاد العيش، وُلد أحمد الخمليشي، حاملا منذ بداياته ملامح التوازن بين الانضباط والتمرد الهادئ. لم تكن نشأته مجرد محطة دراسية، بل تأسيسا لنظرة تميل إلى مساءلة البديهيات والبحث عن المعنى خلف النصوص، وهو ما سيلازمه لاحقا في اختياراته العلمية والمهنية، حيث تتكون عادة الشخصيات الدقيقة في الموقف والحكم.
حين غادر الحسيمة نحو الرباط، لم يكن انتقالا جغرافيا فقط، بل عبورا نحو فضاء تتشكل فيه النخب. في كلية الحقوق، ضمن أول فوج سنة 1960 المعروف باسم “فوج محمد الخامس”، بدا وكأنه يدخل الحقل الذي سيعيد تشكيله من الداخل. لم يتعامل مع القانون كمعطى جاهز، بل كنسق يحتاج إلى فهمٍ عميق، وواصل دراسته إلى غاية الدكتوراه في القانون المدني سنة 1974، في مسار يدمج بين النظرية والتطبيق، ويؤسس لعقلية قانونية متكاملة.
دخل القضاء شابا، وعمل بمحكمة الاستئناف بالرباط، ثم رئيسا للمحكمة الإقليمية بالناظور بين 1966 و1969. خلال هذه الفترة، احتك مباشرة بوقائع العدالة، واختبر حدود النص القانوني أمام تعقيد الواقع، لكنه لم يكتف بهذا الدور. في نهاية الستينيات، اختار الاستقالة من القضاء والالتحاق بالجامعة، حيث يمكن أن يؤثر في أجيال كاملة، لا في ملفات محدودة، مسار يعكس نزوعه إلى التأثير عبر التعليم والفكر، لا مجرد القرار القضائي الآني.
في الجامعة، لم يكن مجرد أستاذ يشرح القوانين، بل كان يعيد ترتيبها داخل أذهان طلبته. درس القانون الجنائي والمسطرة الجنائية والقانون المدني وقانون الالتزامات والعقود، إلى جانب الأحوال الشخصية والفقه الإسلامي. هذا التنوع لم يكن عرضيا، بل تعبيرا عن رؤية شمولية للقانون كنسق مترابط، حيث لا ينفصل النص عن روحه، ولا الفقه عن التطبيق. انخرط أيضا في النقابة الوطنية للتعليم العالي، وتولى مسؤولية الكتابة لفرعها بكلية الحقوق لسنوات، في امتداد طبيعي لالتزامه بالشأن الجامعي.
خارج المدرج، ظل حضوره ممتدا، في المحاماة منذ 1989، في المؤتمرات والندوات الوطنية والدولية، وفي الإعلام، مساهما بصوته الواضح في النقاش العمومي حول القضايا القانونية والفكرية. على المستوى الجمعوي، كان عضوا مؤسسا للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، وعضوا في لجنة الأخلاقيات بالمرصد الوطني لحقوق الطفل، في امتداد لرؤيته بأن القانون والعدالة لا يكتملان إلا بالالتزام بالحقوق والحريات، وهو ما سيجعل مساهماته في الإصلاح التشريعي لاحقا أكثر تأثيرا وعمقا.
ساهم بشكل وازن في ورش إصلاح مدونة الأحوال الشخصية، حيث عين عضوا في لجنة تعديلها سنة 1993، ثم في اللجنة الاستشارية سنة 2001 التي أعدت مشروع “مدونة الأسرة” المعتمدة سنة 2004. وفي 9 مارس 2000، عين من طرف محمد السادس مديرا لمؤسسة دار الحديث الحسنية، وهي المهمة التي اضطلع بها حتى 5 دجنبر 2023، محافظًا على توازنه بين الإدارة الأكاديمية والإشراف على التكوين القانوني والفقهي.
أما على صعيد الإنتاج العلمي، فقد ترك رصيدا غنيا يشمل شروحا موسعة في القانون الجنائي العام والخاص، وقانون المسطرة الجنائية، ومدونة الأسرة، إلى جانب دراسات في قضاء التحقيق والتشريع العربي الموحد في رعاية الأحداث. أعماله هذه تعكس عقلا متعمقا، يدمج بين التجربة الميدانية والتأصيل النظري، ويؤكد أن دوره لم يكن مجرد تعليم أو ممارسة، بل بناء منظومة قانونية متماسكة، تربط بين النص والمجتمع، بين العقل والواقع، وبين المعرفة والعدالة































