الغبزوري السكناوي
ثمة أشخاص يمرون في الحياة كما يمر الضوء عبر الزجاج؛ لا يثيرون صخبا، لكنهم يتركون أثرا بليغا. هكذا يبدو عبد اللطيف بن يحيى، المزداد بطنجة سنة 1953، في زمن كانت المدينة فيه فضاء مفتوحا على اللغات والتجارب والتوترات السياسية، ومعبرا لتحولات المغرب في مرحلة مفصلية من تاريخه الحديث. في هذا السياق، لم يكن الميلاد مجرد تاريخ في سجل الحالة المدنية، بل بداية مبكرة لعلاقة مع العالم تقوم على الإصغاء قبل التعبير.
تلقى تعليمه بمدرسة النهضة الحرة بمرشان ثم بثانوية محمد الخامس، حيث حصل على البكالوريا سنة 1971. في هذا المسار الدراسي تشكل وعيه داخل منظومة تربوية كانت تنظر إلى اللغة باعتبارها أداة بناء ثقافي. وعندما التحق بالمدرسة الوطنية للإدارة بالرباط، بدا المسار في اتجاه الوظيفة، غير أن ميوله الأدبي دفع به نحو الصحافة، فالتحق بجريدة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
وفي تلك المرحلة أصدر ديوانه الأول “أعاصير الحزن والفرح”، معلنا مبكرا أن الشعر لديه ممارسة للوعي قبل أن يكون كتابة جمالية. ولم يكن التعليم مرحلة عابرة في مسار بن يحي، بل جزءا من رؤيته للمعرفة. فقد مارس التدريس بين مكناس والدار البيضاء ثم طنجة، مؤمنا بأن تكوين الإنسان يبدأ من علاقته باللغة. داخل القسم وخارجه، اشتغل كمثقف أكثر منه ملقنا، واضعا المعرفة في سياق تربوي يقوم على الذوق والانتباه والتفكير النقدي، لا على التلقين المباشر.
ومنذ مطلع الثمانينيات، وجد صوته في إذاعة طنجة مجاله الأرحب، لا بوصفها جهاز بث، بل فضاء عموميا تتشكل فيه الذائقة الجماعية. وكانت برامجه تميل تارة إلى البحر بما هو أفق وانفتاح، وتأنس تارة بفنون المجالسة العربية، ثم تنعطف نحو البادية بما تختزنه من ذاكرة منسية، قبل أن تعود إلى الجذور حيث تتقاطع روافد المشترك المغاربي. كما واصل حضوره الإذاعي إلى اليوم من خلال “كاب راديو”، مؤكدا أن الصوت حين يتأسس على الخبرة والثقافة يظل قادرا على تجديد صلته بالمستمع. وهكذا لم يكن الصوت عنده مجرد وسيط، بل أداة ثقافية تُهذب السمع العام
وفي الشعر، واصل عبد اللطيف بن يحيى كتابة نصوصه على مهل من يعرف أن الأعمال الباقية لا تُستعجل. من “أعاصير الحزن والفرح” إلى “الأسوار”، تتبدى كتابة تميل إلى الاقتصاد الدال، وتوثر الإيحاء على الشرح، وتترك البياضات لتكتمل داخل قارئها. ليست قصيدة تستعرض بلاغتها، بل تختبر قدرتها على النفاذ؛ ولا تبحث عن الصخب، بل عن رجع الصدى البعيد. ولعل تمرسه الطويل على الإصغاء الإذاعي جعله أكثر وعيا بأن الصمت نفسه مادة من مواد الإيقاع، وأن المحذوف قد يكون أبلغ من المصرح به
هذا المسار لم يكن محكوما بالرغبة في الظهور، بل بفكرة الأثر الثقافي الهادئ. فقد ظل الرجل يتحرك بين الشعر والإعلام بوصفهما مجالين متكاملين، لا متعارضين، حيث تتقاطع الكلمة مع الصوت في مشروع واحد يقوم على الإصغاء للعالم قبل الحكم عليه. لذلك، حين يحتفى به في دار الشعر بمراكش ضمن “شعراء إعلاميون”، فإن الأمر يتجاوز تكريم سيرة فردية إلى الاعتراف بنموذج ثقافي نادر، مثقف زهد في الكلام، وجعل من الصوت رسالة، ومن الكلمة مسؤولية، ومن الإصغاء شكلا اخر من الإبداع.
هكذا يبدو عبد اللطيف بن يحيى أقرب إلى سالكٍ ينهل من “بحرٍ مديد”، ويمر بالدنيا خفيف الرغبة ويعرض عما يفيض عن حاجته. قليل الانجذاب إلى اللغو، ميال إلى الخفاء النبيل، لا يستدرجه بريق الظهور العابر، ويكتفي بأن ينطق أثره حيث يؤثر الصمت. في حضوره سكينة، وفي ملامحه وقار هادئ، وفي معاشرته صفاء من خبر دروب الحياة ولم تُكدره شوائبها. يمضي على مهل، كأن الزمن عنده فسحة تأمل لا مضمار استعجال، وكأن الوصول الحقيقي لا يكون إلا لمن عرف معنى العمق.































