الغبزوري السكناوي
في لحظة وداع هادئة طوت مسارا علميا وفكريا امتد لعقود، غادرت إلى دار البقاء يوم أمس، الثلاثاء 19 ماي 2026، الباحثة زبيدة الورياغلي الطنجي، بعد مسار أكاديمي تبلور داخل فضاءات الجامعة والبحث، حيث انشغلت بقضايا الفكر والدين والتاريخ الاجتماعي ضمن رؤية علمية تقوم على التراكم والاشتغال المتأني. وقد ارتبط اسمها بإنتاج معرفي ظل أقرب إلى التحليل العميق منه إلى الحضور الظرفي، من خلال دراسات ومقالات ومساهمات علمية تناولت أسئلة الثقافة والمجتمع والذاكرة..
من طنجة، المدينة التي تتكئ على البحر وتستعيد في تفاصيلها طبقات متراكمة من الذاكرة والتاريخ، انطلقت خطواتها الأولى داخل فضاء كتاب الحي “المسيد”، حيث تشكلت البدايات الأولى مع القرآن الكريم والقراءة والكتابة، قبل أن تنتقل إلى المدرسة النظامية عبر معهد مولاي المهدي الحر وثانوية محمد الخامس، لتبلغ شهادة الباكالوريا سنة 1956، في سياق وطني كانت فيه المدرسة فضاء لبناء الوعي وصياغة التحول الاجتماعي والثقافي.
وفي مطلع الستينيات، التحقت زبيدة الورباغلي الطنجي بمركز تكوين المعلمات بالدار البيضاء (1961–1962)، لتبدأ بعد ذلك مسارا مهنيا طويلا في تدريس اللغة العربية بمدينة طنجة امتد لحوالي 38 سنة، داخل عدد من المؤسسات التعليمية، من بينها مدرسة أم أيمن وإعدادية ابن بطوطة وثانوية ابن الخطيب، حيث ظلّ الدرس اللغوي عندها ممارسة تربوية وإنسانية تعيد من خلالها بناء علاقة المتعلم باللغة وتفتح أمامه أفق الفهم والتأمل.
ومع تعاقب سنوات التدريس داخل الفصل، انتقلت إلى الإدارة التربوية بين 1971 و1982 بمدرسة عبد الرحمن أنكاي، في تجربة جمعت بين تدبير الحياة المدرسية وصيانة استمرارية المؤسسة التعليمية داخل سياق وطني كان يعرف تحولات بنيوية عميقة، حيث أصبح الفعل الإداري امتدادا مباشرا للعمل التربوي، ومسؤولية في الحفاظ على توازن المؤسسة العمومية وإيقاعها اليومي.
وبالتوازي مع المسار المهني، راكمت تكوينا أكاديميا متدرجا، فنالت الإجازة من كلية أصول الدين بتطوان سنة 1980، ثم شهادة استكمال الدروس في الدراسات الإسلامية بجامعة محمد الخامس سنة 1992، قبل أن تعود لجامعة عبد المالك السعدي وتحصل على دبلوم الدراسات العليا سنة 1998، في مسار علمي قادها نحو الاشتغال على تراث التفسير والتصوف المغربي باعتباره مجالا تتداخل فيه المعرفة بالنص والروح والتاريخ.
وتوج هذا المسار بإنجاز أطروحة حول تفسير “البحر المديد في تفسير القرآن المجيد” لأبي العباس أحمد بن عجيبة، أنجزت فيها دراسة وتحقيق الجزء الأول سنة 2003، في عمل علمي ينفتح على النص الصوفي من داخله، ويعيد قراءته بوصفه مجالا حيا للمعنى والتأويل، حيث يتحول التحقيق إلى فعل استعادة وإضاءة لا مجرد تثبيت أكاديمي للنص في حدوده المكتوبة.
وأصدرت الورياغلي مجموعة من المؤلفات والدراسات المحققة، من بينها كتاب “البحر المديد في تفسير القرآن المجيد للشيخ أحمد بن عجيبة (الربع الثاني بدءًا من سورة الأعراف: تقديم وتحقيق” إضافة إلى إعداد دراسة وتحقيق النصف الأول من التفسير نفسه، كما صدر لها عمل بعنوان “تفسير سورة الفاتحة من كتاب البحر المديد: دراسة وتحقيق” وكتاب نساء طنجة الرائدات سنة 2016، إلى جانب مقالات ودراسات في مجالات التربية والمرأة والتاريخ الاجتماعي نشرت في عدد من الصحف والمجلات.
وإلى جانب هذا الاشتغال الأكاديمي، انخرطت في العمل الثقافي والجمعوي، وكرست جانبا من اهتمامها لتوثيق الذاكرة النسائية بمدينة طنجة، عبر تتبع سير وتجارب نساء اشتغلن في مجالات التعليم والثقافة والعمل الاجتماعي، في مسعى لإعادة إدراج هذه المسارات داخل الذاكرة المحلية، ومنحها حضوراً مستحقا داخل السرد التاريخي للمدينة وطبقاتها الإنسانية.































