مشاريع ” منارة المتوسط ” يلفها الغموض ومدينة تعاني الاختناق المروري وأسئلة معلقة حول مستقبل التدبير المحلي
رغم تسمية مدينة الحسيمة ” منارة المتوسط ” و” لؤلؤة الشمال وجوهرته”، لجمال شواطئها وسمكها الطري وموقعها الجغرافي، ولميزة جمعها بين مياه البحر المتوسط وغابات كتامة، وتحمل بين أحيائها رصيدا تاريخيا وحضاريا غنيا، إلا أن توسعها العمراني رافقته مجموعة من المشاكل أضحت مثار إزعاج للسكان والزوار على حد سواء. وتشهد الحسيمة نقاشا محليا متصاعدا بشأن حصيلة التدبير الجماعي خلال السنوات الأخيرة. وبينما تراهن مدن مجاورة كشفشاون والناظور وتطوان ومارتيل على مشاريع مهيكلة لتحسين جاذبيتها الاقتصادية والاجتماعية، يرى عدد من الفاعلين المحليين أن الحسيمة لم تتمكن بعد من تحقيق الإقلاع التنموي المنتظر. وتعيش الحسيمة اليوم بين ماض عريق يزخر بالرمزية التاريخية، وحاضر مثقل بانتظارات تنموية مؤجلة. وتتصاعد أسئلة السكان حول مآل مشاريع تنتظر التنزيل، وحول قدرة الفاعلين المحليين على إخراج المدينة من حالة الركود التي ظلت تلازمها لسنوات. وتظل الحسيمة عالقة بين خطابين متباينين، خطاب يعد بإقلاع تنموي مؤجل، وآخر يحذر من استمرار الأعطاب نفسها، في انتظار ماستكشف عنه الأيام من حقيقة الأوراش المعلنة.
التنمية المعلقة
في الوقت الذي يتم فيه الحديث عن تخصيص غلاف مالي يقدر ب 9 مليارات سنتيم، من أجل تهيئة مدخل مدينة الحسيمة وإعادة هيكلة عدد من الأحياء فيها، بهدف تحسين البنيات التحتية وتعزيز جاذبية المدينة، لم تعرف معظم أحيائها ك “سيدي عابد ” و”باريو بريرو” وحي ” الأحباس ” و”أفزار” و”ظهر مسعود “، برمجة مشاريع تنموية أوأوراش لتهيئة مرافق الأحياء المهمشة وتحسين الخدمات المقدمة لسكانها، بما فيها توفير مساحات خضراء وصيانة الطرق. ومازالت مدينة الحسيمة تعاني اختلالات واضحة في قطاعات أساسية، من بينها خدمات النظافة وتأهيل الطرق والأرصفة، وتحسين الإنارة العمومية، إضافة إلى إشكالية الأحياء الناقصة التجهيز. وتحتاج الحسيمة إلى تشجيع الاستثمار وخلق دينامية اقتصادية واجتماعية حقيقية قادرة على استيعاب طاقات الشباب العاطل. ووفق المعطيات المتوفرة، فمن المرتقب أن يشمل المشروع سالف الذكر أشغال تهيئة شاملة لمدخل المدينة، إلى جانب تدخلات لإعادة تأهيل الأحياء المستهدفة، عبر إصلاح الطرق، وتقوية الإنارة العمومية، ومعالجة عدد من الإكراهات المرتبطة بالبنية التحتية. ويأتي هذا الورش في إطار جهود تروم الارتقاء بجودة العيش داخل المدينة، والاستجابة لتطلعات السكان، ضمن دينامية تنموية تعرفها المنطقة، بمشاركة مختلف السلطات والهيئات المنتخبة. ورغم المجهودات المبذولة في بعض المناطق بالحسيمة، فإن جودة الأشغال وأهمية التتبع لم تكونا في المستوى المطلوب.
الغموض يلف مشاريع ” منارة المتوسط “
رغم انتهاء الأشغال بمجموعة من مشاريع ” منارة المتوسط ” بالحسيمة، نظير المسرح الكبير بمدينة الحسيمة، و”أكواريوم ” بمنطقة ” ميرادور “، والقاعة المغطاة والمسبح الأولمبي بالقرية الرياضية بآيت قمرة، والمتحف البيئي بغابة بوجيبار والمرصد البحري المتوسطي بميناء ” إنوارن ” بجماعة إزمورن، ومنصة اللوجيستيك والتجارة بالمنطقة الصناعية بجماعة آيت قمرة، ومركز طب الإدمان، وموقف السيارات “تحت أرضي” قرب ملعب ميمون العرصي، منذ ما يقارب سنتين، وتجهيزها، مازالت تلك “المنجزات” لم تفتح أبوابها لتحقيق أهدافها. ورغم أن برنامج “الحسيمة : منارة المتوسط ” أطاح بعدد من المسؤولين الوزاريين، إثر ما عرف إعلاميا بـ ” الزلزال السياسي “، بعد رصد اختلالات شابت مرحلتي إعداد وتنفيذ البرنامج، فإن العديد من المواطنين مازالوا ينتظرون مبادرات ملكية، من أجل افتتاح هذه المشاريع الكبرى في المنطقة. ويعد المتحف البيئي بمنتزه بوجيبار مشروعا إستراتيجيا هاما لتعزيز السياحة البيئية والوعي الإيكولوجي بالمنطقة، ويهدف إلى تثمين الذاكرة الطبيعية والتربية على البيئة وتنشيط السياحة الإيكولوجية، مما أثار مطالبات برلمانية بفتحه وتفعيل دوره في التوعية. ويتساءل العديد من المواطنين بالحسيمة عن الأسباب التي تقف وراء استمرار إغلاق المشاريع سالفة الذكر رغم مضي سنوات عدة على انتهاء الأشغال بها وتجهيزها، مبرزين أن استمرار هذا الوضع يهدد بتقويض أهدافها، ويحرم المواطنين وزوار المنطقة من الاستفادة منها، كما تثير مخاوف بشأن مصير التجهيزات والموارد المالية التي تم رصدها لإنجازها. ويطالب سكان المدينة بفتح تحقيق شامل حول أسباب تعطيل هذه المشاريع وتحديد المسؤوليات، وإخراجها إلى حيز الاستغلال لما لها من أهمية في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالحسيمة، خاصة في ظل التطلعات الكبيرة التي يعلقها المواطنون على المرحلة الجديدة.
حدائق خارج الخدمة
لم تعد الحدائق العمومية وبعض الفضاءات الطبيعية رغم قلتها بالحسيمة، تؤدي الدور الذي أحدثت من أجله، باعتبارها فضاءات للراحة ومتنفسا آمنا للعائلات والأطفال داخل المجال الحضري، بل تحولت إلى مصدر قلق يومي لروادها، بعد أن تدهورت بنيتها وتجهيزاتها الأساسية، وطالها الإهمال وانعدام المراقبة والصيانة الدورية، لدرجة فقدت فيه دورها الاجتماعي والبيئي، مادفع المهتمين بالشأن المحلي بالمدينة إلى طرح أسئلة حول من يتحمل مسؤولية هذا الوضع. وبات العشب الطبيعي بحديقة 3 مارس في وضعية مزرية بعدما يبس في بعض المناطق، واختفى في أخرى، ماجعل الحديقة التي كانت من أجمل الحدائق في المدينة، بل الوحيدة تزينها مختلف الأزهار والورود، تفقد أهم مقوماتها. ويتجسد حجم الاختلالات داخل بعض الفضاءات الطبيعية بالمدينة في الانتشار اللافت للكلاب الضالة وعشرات القطط التي استوطنت بها. وأثارت التغييرات التي شهدتها حديقة ” ألمونيكا ” الواقعة بمدخل الحسيمة، استياء عدد من المتتبعين والمهتمين بالشأن المحلي، بعدما تم تقليص جزء من مساحتها من أجل إحداث ملعب للقرب وملعبين لرياضة “البادل “، في إطار تعزيز البنيات التحتية الرياضية بالمدينة. وخلفت الأشغال المصاحبة لهذه المشاريع الرياضية، آثارا سلبية واضحة داخل الحديقة، تمثلت في انتشار بقايا مواد البناء والنفايات بمختلف جنبات الفضاء، إضافة إلى إهمال بعض المداخل والأبواب، وهو ما أثّر على جمالية الحديقة ووظيفتها البيئية والترفيهية.
أزمة مواقف السيارات
تشهد مدينة الحسيمة، خاصة في فصل الصيف وفي بعض العطل المدرسية، ضغطا كبيرا على شبكة المواصلات بسبب قلة مواقف السيارات، مايثيراستياء السكان والزوار على حد سواء. ويصبح التنقل أمرا صعبا في فصل الصيف أمام ضيق شوارع المدينة بما فيها الرئيسية، حيث تشهد المدينة توافد أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج والمواطنين المغاربة القادمين من مدن أخرى للاستمتاع بشواطئ الحسيمة. ولاتكفي المواقف المتوفرة لاستيعاب السيارات، ما يؤدي إلى ازدحام مروري ووقوف عشوائي يعيق حركة السير ويزيد من حدة الفوضى في شوارع المدينة الضيقة. كما أن نقص المواقف يفاقم من المشاكل البيئية بسبب الانبعاثات الناتجة عن توقف السيارات في أوقات طويلة بحثا عن موقف شاغر. وفي ظل هذه الإشكالية، دعا بعض المواطنين إلى تبني حلول مبتكرة، من بينها إنشاء مواقف تحت أرضية تستوعب عددا كبيرا من السيارات، وتشجيع وسائل النقل البديلة مثل الدراجات الهوائية والسكوترات الكهربائية لتخفيف الضغط على الطرقات. ويتساءل العديد من المهتمين عن أسباب عدم افتتاح موقف السيارات تحت أرضي الذي تم إحداثه قرب ملعب ميمون العرصي وانتهت الأشغال فيه منذ مايقارب أربع سنوات، ماقد يساهم في تعزيز راحة الزوار وتقليص الاختناق المروري ويواكب النمو السياحي المتزايد.
سوق الثلاثاء…تعثر متواصل
يعد سوق ” الثلاثاء ” بالحسيمة، المحرك الرئيسي للرواج التجاري في المدينة، كما يشكل أحد الموارد المالية لجماعة الحسيمة، غير أن وضعية السوق الذي كان يجسد هوية سكان المنطقة في ستينات وسبعينات القرن الماضي، حيث كان ينعقد كل يوم ثلاثاء، باتت تثير بدورها نقاشا من جديد حول ضرورة تحسين بنيته وتنظيمه أكثر، خاصة في مايتعلق بشروط النظافة وتأهيل سوق السمك به ومحلات بيع الدجاج. ويعيش السوق الواقع وسط المدينة، حركة دؤوبة على مدار اليوم، إذ يعتبر من الوجهات المهمة بالحسيمة، للراغبين في اقتناء السمك واللحوم بمختلف أنواعها والخضر والفواكه، وما يعرضه الباعة في محلات مختلفة. ورغم أن سوق ” الثلاثاء ” يشكل موردا مهما للمجلس البلدي للحسيمة، فإنه لا يحظى بأي اهتمام، باستثناء عملية التسقيف التي طالته، وبناء العديد من المحلات التجارية، أغلبها موصدة، بعدما رفض التجار المستفيدون منها استغلالها، مفضلين طرح سلعهم في الفضاءات الخارجية للسوق. ويتحول الفضاءان الخارجيان للسوق، إلى سوقين موازيين مفتوحين لبيع الخضر والفواكه والسمك والدجاج. وفشل السوق النموذجي المخصص لباعة السمك بالتقسيط بالسوق ذاته، في احتواء باعة السمك واستيعاب جحافل أصحاب هذه التجارة التي تضاعفت في السنوات الأخيرة. وفضل باعة السمك بسوق الثلاثاء العودة إلى مدخل السوق واحتلاله وملتقيات الطرق، والاستمرار في البيع العشوائي لهذه المادة، رغم الملايين التي صرفت على سوق السمك، الذي أحدث أخيرا ويخضع لقوانين، تساهم في حماية مستهلكي السمك، وتحافظ على جودته، طبقا لمعايير السلامة الصحية. ولم تفلح السلطات المحلية ودوريات فرق الأمن العمومي في إخلاء هذين المدخلين، إذ سرعان ما يعود تجار السمك والخضر إليهما، بمجرد ما أن تهدأ تلك الحملات.































