الغبزوري السكناوي
على بعد ساعات من انطلاق الدورة السادسة والعشرين لعيد الكتاب بتطوان، التي تحمل اسم الإذاعية الراحلة خديجة حلحول، يبدو الاختيار أقرب إلى استعادة ذاكرة جيل كامل، منه إلى مجرد تكريم شخصي لإحدى الأصوات الرائدة من الرعيل الأول للعمل الإذاعي بالمغرب. في تظاهرة تحتفي بالكلمة المكتوبة، يحضر الأثير بوصفه ذاكرة موازية، حيث لا تدون التجارب بالحبر فقط، بل تحفظ في نبرةٍ وإيقاع وأثرٍ يظل عالقا في السمع. هنا، لا يستدعى الاسم كأرشيف، بل كطبقة صوتية ما تزال ممتدة في وجدان المدينة.
اختيار اسم الراحلة الحاجة خديجة حلحول لهذه الدورة لا يستحضر سيرة عابرة، بل يعيد فتح لحظة تأسيسية في تاريخ الصوت الإذاعي بشمال المغرب. لم تكن مجرد مذيعة عبرت الميكروفون، بل صوتا تشكل في زمن كانت فيه الإذاعة وسيطا وحيدا بين الناس والعالم. هكذا تنفتح هذه الدوره على أثرٍ إذاعي يتجاوز التواريخ، ويستعيد حضورا بني على النبرة والإنصات، أكثر مما بني على الصورة أو الظهور.
لم يكن صوتها عابرا في موجة إذاعية، بل حضورا يوميا يؤنس تفاصيل الناس. عرفها المستمعون باسمها وباسمٍ آخر صاغته الألفة، خدوجة الغرباوي. لم يكن اللقب مجرد لقب قد يبدو مستعارا، بل علامة على علاقة امتدت بين صوتٍ وجمهور، حتى صار جزءا من الذاكرة الجماعية. كانت النبرة التي تخرج من المذياع أقرب إلى رفيق يومي، تستعاد معها لحظات الاستماع كجزء من إيقاع الحياة، لا كفعل عابر داخل زمن البث.
في زمن كانت فيه الإذاعة أكثر من وسيلة، شكّل صوت خديجة حلحول نافذة على العالم. لم يكن أداء تقنيا لنشرات أو أغانٍ، بل بناء لإحساس مشترك بين المذيعة والمستمع. عبر إذاعات “تطوان” و”طنجة” و”أفريقيا”، امتد حضورها كإيقاع يومي يرافق الناس، حيث كانت الموجة الإذاعية فضاء مفتوحا للقاء غير المرئي. هناك، تصاغ العلاقة بالصوت وحده، ويُقاس التأثير بقدرة النبرة على البقاء في السمع.
ولدت الحاجة حلحول سنة 1930 في تطوان، ضمن سياق لم يكن تعليم الفتاة فيه أمرا مألوفا. ومع ذلك، كانت من الجيل الأول للمرأة المتعلمة في المنطقة الخليفية، إلى جانب السيدة أمينة اللوه، منذ فتح المدرسة الإسلامية للبنات بالمدينة سنة 1937. لم يكن هذا المسار التعليمي خطوة عادية، بل تأسيسا لاختيار مختلف. وفي 1946، وهي تلتحق بمدرسة المعلمات ب”دار العطار”، كانت ترسم طريقا يجمع بين المعرفة والتدريس والانخراط المبكر في عالم الإذاعة.
داخل استوديو راديو تطوان، الذي سيصبح لاحقا راديو درسة، بدأ الصوت يتشكل ويأخذ ملامحه. قدمت نشرات الأخبار وبرامج تلبية الطلبات، حيث تتقاطع الرسائل مع الأغاني، وتبنى علاقة مباشرة مع المستمعين. هناك، لم يكن الأداء مجرد وظيفة، بل ممارسة يومية تصقل النبرة وتمنحها وضوحها. مع الوقت، صار اسمها الإذاعي *خدوجة الغرباوي” علامة دالة على صوت يميّز بسهولة، وعلى حضور يثبت نفسه داخل الأثير.
لم يبق صوتها حبيس الاستوديو. في سنة 1949، واكبت أول تغطية خارجية لها، بمناسبة حفل زفاف الخليفة السلطاني مولاي الحسن بن المهدي بالأميرة للا فاطمة الزهراء العزيزية. كانت تلك لحظة انتقال من الصوت الداخلي إلى الصوت المواكب للحدث، حيث يصبح البث امتدادا مباشرا للواقع. في العام نفسه، انتقلت إلى طنجة، لتدخل مرحلة جديدة في مسارها الإذاعي داخل فضاء أكثر انفتاحا وتعددا.
في إذاعة طنجة الدولية، برز صوتها كحضور نسائي مغربي داخل مشهد إذاعي متعدد اللغات. لم يكن ذلك تفصيلا عابرا، بل دلالة على موقع غير مألوف في زمنه. وبعد نحو عام، انتقلت إلى إذاعة أفريقيا، حيث واصلت الربط الإذاعي وتقديم رغبات المستمعين. هناك، تعززت صلتها اليومية بالجمهور، وصار الصوت أكثر رسوخا، لا بوصفه أداء، بل كجزء من متعة الاستماع التي ينتظرها الناس.
قررت أنه تنهي مسارها الإذاعي سنة 1955، بعد تجربة امتدت قرابة عقد داخل ثلاث محطات. زمن محدود في الحساب، لكنه ممتد في الأثر البليغ. لم يكن ما تركته مجرد برامج، بل طبقة صوتية ارتبطت بمرحلة كاملة من تاريخ الإذاعة. بعد ذلك، واصلت عملها في التعليم، كأنها انتقلت من مخاطبة الأثير إلى مخاطبة الأجيال، محافظة على نفس الإيقاع الهادئ ونفس الحضور الذي ميّز تجربتها الأولى.
برحيلها في 31 دجنبر 2025، لم يطوى مسار مهني فقط، بل انطفئت طبقة من زمن إذاعي كانت فيه الأصوات تصنع بالإنصات وتقاس بقدرتها على البقاء. يبقى صوت الراحلة.الحاجة خديجة حلحول ممتدا في ذاكرة من عاصروه، كأثر لا يرى لكنه يستعاد كلما عاد الأثير إلى صفائه. هكذا لا ينتهي الصوت حين يصمت، بل يتحول إلى ذاكرة، أكثر رسوخًا من حضوره الأول، وأبعد من حدود البث































