أمين الفياض
لا يرد اسم البروفيسور فايز كلوج كثيرا في الفضاء الإعلامي المغربي، لكنه يحضر بقوة في الأدبيات الأكاديمية الدولية المرتبطة باقتصاد الخدمات والابتكار. فمن دوار تفنسة بإقليم الحسيمة، شق الباحث المغربي مسارا علميا قاده إلى جامعة “ليل” الفرنسية، حيث يشغل درجة أستاذ متميز في العلوم الاقتصادية، ويعد اليوم واحدا من أبرز الأسماء العالمية التي ساهمت في تطوير نظريات الابتكار في الاقتصاد المعاصر.
تكون فايز كلوج داخل المدرسة الاقتصادية الفرنسية، قبل أن يتجه إلى حقل بحثي كان يُنظر إليه لسنوات طويلة باعتباره مجالا ثانويا مقارنة بالصناعة والتكنولوجيا. فقد انصب اهتمامه على قطاع الخدمات، وسعى إلى تفكيك الفكرة التقليدية التي تربط الابتكار بالمصانع والآلات فقط، مبرزا أن الخدمات، بدورها، تنتج أشكالا متنوعة من الابتكار، سواء تعلق الأمر بالتنظيم، أو طرق العمل، أو العلاقة مع المستفيدين والزبناء.
ومن هذا المنطلق، أسهم في تطوير مقاربات نظرية جديدة، من أبرزها نموذج الابتكار القائم على الخصائص، الذي يفسر كيفية تطوير الخدمات عبر تغيير مكوناتها وكفاءاتها وأساليب تقديمها. كما انشغلت أبحاثه بالابتكار الاجتماعي، وبالدور الذي يمكن أن تؤديه الشراكات بين القطاعين العام والخاص في ابتكار حلول للتحديات الاقتصادية والمجتمعية، وهو ما جعل أعماله مرجعا للباحثين وصناع القرار في مجالات التنمية والسياسات العمومية.
ولم يبق هذا الإسهام حبيس الجامعات، بل ترجم إلى إنتاج علمي واسع شمل أكثر من عشرين كتابا متخصصا، وما يزيد على مائة وثمانين بحثا منشورا في مجلات علمية محكمة، حصدت آلاف الاستشهادات الأكاديمية حول العالم. كما يشغل رئاسة تحرير المجلة الأوروبية لاقتصاد وإدارة الخدمات، وشارك في إعداد عشرات التقارير والدراسات لفائدة مؤسسات دولية، من بينها المفوضية الأوروبية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
ويمتد حضور فايز كلوج إلى شبكات البحث الأوروبية المتخصصة في اقتصاد الخدمات والابتكار، حيث ساهم في بناء جسور بين البحث الأكاديمي والسياسات العمومية، ودافع عن فكرة أساسية مفادها أن الاقتصاد الحديث لم يعد يقوم على الإنتاج الصناعي وحده، بل على المعرفة والخدمات والقدرة على ابتكار حلول جديدة لمتطلبات المجتمع.
وبين دوار تفنسة بالحسيمة ومدرجات الجامعات الأوروبية، تتشكل تجربة أكاديمية تعكس قدرة الكفاءات المغربية على الحضور في النقاشات العلمية الكبرى. ففايز كلوج لا يمثل فقط مسار أستاذ جامعي ناجح، بل يجسد نموذج الباحث الذي أسهم في إعادة النظر في مفهوم الابتكار، وترك أثرا واضحا في واحد من أهم الحقول الاقتصادية المعاصرة.































