الغبزوري السكناوي
ثمة أمكنة لا تحتاج إلى أن يسكنها المرء طويلا حتى تسكنه. يكفي أن تأتي منها، أن تحمل اسمها في جهة بعيدة، حتى تظل ظلالها تمشي معك دون أن تراها. “أسكرام”، تلك البلدة الصغيرة في منطقة الرواضي، واحدة من هذه الأمكنة التي لا تنتهي عند حدودها. ومنها يمتد خيط خفي في سيرة عبد الإله بنتهامي، الطبيب الجراح الذي ولد في هولندا سنة 1976، لكنه لم يولد، بالمعنى الأعمق، بعيدا عن مكان ظل حاضرا في الذاكرة وفي الكتابة.
في هولندا تشكلت حياة الرجل، وفي “أسكرام” تشكل شيء من المعنى الذي حمله معه. هناك، في فضاء الطب، اختار الجراحة مهنة تضع الإنسان في أكثر لحظاته هشاشة، وهنا، في الجهة الأخرى من الذاكرة، بقيت قرية الأصول حاضرة كأنها لا تقبل أن تتحول إلى مجرد حكاية عائلية. بين اليد التي تمسك بالمشرط والذاكرة التي تمسك بالمكان، تتشكل سيرة لا تستقيم قراءتها من جهة واحدة.
الجراح يعرف أن التفاصيل الصغيرة قد تكون فاصلة بين الألم والنجاة. وابن المكان يعرف، في المقابل، أن التفاصيل التي تبدو عابرة قد تكون أكثر ما يبقى من الأرض، اسم، طريق، بيت، أو حكاية تنتقل من جيل إلى آخر. وربما لهذا لم تأتِ “أسكرام” في تجربة بنتهامي كزخرفة جغرافية، وإنما كشيء أكثر عمقا؛ كأن المكان وجد في الكتابة وسيلة أخرى كي يستمر، بعدما أصبحت المسافة جزءا من حياة صاحبه.
حين أصدر روايته الأولى “ذئب أسكرام” سنة 2021 باللغة الهولندية، كان اسم البلدة يخرج للمرة الأولى، في هذا المسار، من جغرافيته المحلية إلى لغة أخرى. لم تعد “أسكرام” مجرد نقطة في الريف، وإنما أصبحت عنوانا لحكاية تحمل معها أسئلة الأصل والهجرة والعودة. ثم جاءت الترجمة الفرنسية سنة 2025، فواصل الاسم رحلته، كأن البلدة التي بقيت في الرواضي استطاعت أن تعبر الحدود دون أن تتحرك من مكانها.
وفي الرواية يعود شاب من هولندا إلى موطن أجداده. عودة تبدو في ظاهرها حركة في الجغرافيا، لكنها في عمقها عودة إلى سؤال قديم، ماذا يبقى من المكان في الإنسان حين تفصل بينهما سنوات ومسافات؟ هنا تتقاطع الرواية مع سيرة صاحبها من دون أن تصبح سيرته؛ فهولندا التي ولد فيها بنتهامي سنة 1976، و”أسـكرام” التي تنحدر منها أصوله، تلتقيان في فضاء أدبي يجعل المسافة نفسها جزءا من الحكاية.
ولأن المسافة لا تكون دائما بين بلدين، جاءت رواية “ملعونة هي الضفة الأخرى” سنة 2024 كامتداد آخر لهذا العالم الذي تتحرك فيه الأسئلة بين الضفاف. الضفة الأخرى قد تكون مكاناً، وقد تكون حياةً لم نعشها، أو ذاكرة لا نعرف كيف نغادرها. وفي هذا المعنى تبدو الكتابة عند بنتهامي جسرا لا يلغي المسافة، بل يمنحها معنى؛ جسرا بين ما هو بعيد وما ظل قريبا، بين حياة تشكلت في هولندا واسم ظل مشدودا إلى “أسكرام”.
غير أن الرجل الذي يحمل هذا الخيط في الكتابة لا يعيش في الأدب وحده. فهو طبيب جراح، وناشط مدني في المجال الطبي والصحي، أي أنه اختار أن يظل قريبا من الإنسان في أكثر ما يحتاج فيه إلى العناية. وبين المهنة والعمل المدني والكتابة، تتجاور ثلاثة وجوه لتجربة واحدة، يد تعالج، وصوت ينخرط في الشأن الصحي والمدني، وقلم يعود إلى المكان كي يمنحه حياة أخرى.
لهذا تبدو “أسكرام” في حكاية بنتهامي أكثر من مكان للأصول، ويبدو بنتهامي في حكاية “أسكرام” أكثر من ابنٍ غادرها. فالمكان الذي بقي هناك أخذ طريقه معه إلى هولندا، ثم عاد من هناك في صورة رواية، قبل أن يعبر إلى الفرنسية. وبينما بقيت “أسكرام” ثابتة في الرواضي، كان اسمها يسافر. وبينما اتسعت حياة الرجل بعيدا عنها، ظلت هي تضيق المسافة داخله.
ربما تلك هي المفارقة الجميلة في سيرة عبد الإله بنتهامي، أن الرجل الذي ولد في بلد آخر لم يحتاج إلى أن يعود إلى “أسكرام” كي يجعلها حاضرة؛ حملها معه، أولا كجذر، ثم كذاكرة، ثم كعنوان أدبي. وهكذا لم تعد البلدة مجرد مكان ينتمي إليه، بل صارت جزءا من الطريقة التي يعرف بها نفسه إلى العالم. مكان صغير في الجغرافيا، لكنه في هذه السيرة يكبر كلما ابتعد عنه صاحبه































