أكدت الدكتورة جيهان الخطابي أن فهم رغبة القاصر في الهجرة، في ضوء ما حدث في سبتة، يقتضي تجاوز النظر إليها باعتبارها قرارا فرديا ومفاجئا، والبحث في المؤثرات التي تتفاعل تدريجيا في وعي الطفل. وترى أن الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي والثقافي والفضاء الرقمي تساهم، بدرجات مختلفة، في تشكيل نظرته إلى ذاته ووطنه ومستقبله، بما يجعل قرار الرحيل نتيجة لمسار طويل أكثر منه اختيارا وليد لحظة عابرة.
وتضع الخطابي، التي تشتغل مفتشة للشؤون المالية بالمديرية الإقليمية للتعليم بالحسيمة، الأسرة في مقدمة هذه المؤثرات، باعتبارها الفضاء الأول الذي يتعلم فيه الطفل معنى النجاح وقيمة العمل وكيفية النظر إلى المستقبل. فالأسرة التي تمنح أبناءها الثقة، وتصغي إلى أحلامهم، وتساعدهم على تحويل طموحاتهم إلى أهداف واقعية، تساهم في بناء الإحساس بالقدرة والانتماء. وفي المقابل، قد يؤدي الإحباط أو المقارنة أو التقليل من قدرات الطفل، وربط النجاح بالمغادرة، إلى ترسيخ اعتقاد تدريجي بأن المستقبل الحقيقي يوجد خارج الوطن، فيما تبقى التربية عاملا حاسما في بناء الطموح أو تكريس الإحساس بالانسداد.
وتنبه الخطابي، التي خبرت ايضا تدبير الشأن العام كنائبة لرئيس جهة طنجة– تطوان– الحسيمة، ،إلى دور المدرسة باعتبارها الفضاء الثاني المؤثر في تشكيل وعي القاصر، مؤكدة أن وظيفتها لا ينبغي أن تختزل في التعلم والتحصيل، بل يفترض أن تكون أيضا مكانا يشعر فيه الطفل بأنه قادر على النجاح وأن له قيمة ودورا داخل مجتمعه. وعندما تتكرر تجربة الفشل أو الإقصاء أو التهميش، أو لا يجد القاصر في مساره الدراسي أفقا واضحا، قد تتحول الهجرة تدريجيا إلى مخرج متخيل من الإحساس بالعجز وانسداد المستقبل.
ولا تقل القدوة والنماذج المحيطة بالقاصر أهمية عن الأسرة والمدرسة، بحسب الخطابي، إذ يتعلم الطفل مما يراه أكثر مما يسمعه. فإذا كانت النماذج التي تحيط به تربط النجاح بالهجرة، وكان يسمع عن أشخاص غادروا وحققوا دخلا أو مكانة أو نمط حياة أفضل، فقد يصبح الرحيل مرجعا لتصوره للمستقبل. وفي مرحلة المراهقة، تزداد أهمية الرفقة، إذ قد تنتقل فكرة الهجرة داخل مجموعة من الأصدقاء من مجرد فكرة فردية إلى حلم جماعي، يتعزز بالتشجيع المتبادل والرغبة في إثبات الذات والمغامرة.
ويمنح الفضاء الرقمي، في تقديرها، هذه المؤثرات قوة وانتشارا أكبر، خصوصا أن مواقع التواصل الاجتماعي تقدم في كثير من الأحيان صورة انتقائية تركز على النجاح والمال والسيارات والسكن والسفر والحرية، بينما تغيب تفاصيل الوحدة والعمل الشاق والهشاشة والاستغلال وصعوبات الاندماج والمخاطر المرتبطة بالهجرة. وبهذا قد تتشكل لدى القاصر صورة غير متوازنة عن الضفة الشمالية للمتوسط، فيرى النتائج ولا يرى الطريق، ويشاهد الواجهة دون ما وراءها.
ومن هنا تبرز أهمية التربية الرقمية التي لا تعني منع الطفل من استخدام التكنولوجيا، وإنما تعليمه كيف يقرأ المحتوى بوعي، ويميز بين الواقع والصورة المصنوعة، وبين التجربة الحقيقية والمحتوى الذي يستهدف جذب المشاهدات. فالقاصر يحتاج إلى القدرة على مساءلة ما يراه، ومعرفة من صنع الصورة وما الذي لم تظهره، حتى يبني نظرة أكثر توازنا إلى العالم والخيارات المتاحة أمامه.
وتؤكد الخطابي أن أحداث سبتة تكشف أن قرار القاصر لا يصنعه عامل واحد، وإنما ينتج عن تقاطع مؤثرات تتراكم داخل محيطه؛ فالأسرة تشكل الطموح، والمدرسة تبني الإحساس بالقدرة أو العجز، والقدوة تقدم نماذج للنجاح، والأصدقاء يؤثرون في الاختيارات، فيما يعيد الفضاء الرقمي تشكيل صورة العالم والمستقبل. وعندما تتجه هذه المؤثرات في اتجاه واحد، بحيث يبدو الوطن محدود الفرص، وتظهر الضفة الأخرى بصورة مثالية للخلاص والنجاح، يمكن لفكرة الرحيل أن تنتقل من احتمال إلى قناعة.
وترى الدكتورة الخطابي، التي سبق أن تولت مهام المديرة الإقليمية للثقافة، أن المعالجة الحقيقية لا تبدأ عند الحدود، بل قبل الوصول إليها بوقت طويل. فالأسرة مطالبة بمنح الأمل، والمدرسة بتوفير الفرصة، والمجتمع بتقديم نماذج حقيقية للنجاح، فيما يحتاج الفضاء الرقمي إلى مقاربة تربوية تساعد القاصر على التعامل معه بوعي ونقد. وبذلك لا ينبغي أن يقتصر الرهان على إقناع القاصر بألا يرحل، بل على منحه أسبابا حقيقية تجعله يرى أن البقاء أيضا يمكن أن يكون مشروعا للنجاح، وأن المستقبل يمكن أن يكون أقرب إليه من الحدود.





























