كشفت تصريحات الأمين العام للمجموعة البرلمانية لحزب “فوكس” في مجلس النواب الإسباني، “خوسيه ماريا فيغاريدو”، بشأن ضرورة “اصطياد” المهاجرين الذين وصلوا إلى سبتة “واحداً واحداً”، عن الوجه الأكثر فجاجة في خطاب اليمين المتطرف تجاه الهجرة. فالأمر لم يعد يتعلق فقط برفض الهجرة أو المطالبة بتشديد مراقبة الحدود، وإنما بلغة تجعل من المهاجر هدفا للمطاردة، وتتعامل معه باعتباره شخصا ينبغي تعقبه والتخلص منه، لا إنسانا يخضع للقانون ويتمتع بالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
العبارة التي اختارها القيادي في “فوكس” ليست تفصيلا لغويا يمكن تجاوزه في خضم السجال السياسي. فبين “ضبط الحدود” و”اصطياد المهاجرين” مسافة سياسية وأخلاقية شاسعة. الأولى تحيل إلى الدولة والقانون والمؤسسات، بينما الثانية تستحضر قاموس المطاردة والاستهداف. وعندما تصدر هذه اللغة عن مسؤول سياسي في حزب ممثل داخل البرلمان، فإنها تكشف إلى أي حد يمكن أن ينحدر الخطاب المتطرف عندما تتحول الهجرة من قضية سياسية وقانونية إلى أداة لتأجيج الخوف والعداء.
ولذلك لم تبق تصريحات “فيغاريدو” في حدود المواقف الحزبية، بعدما أحال النائب عن حزب “كومبروميس” اليساري الاقليمي ب “فالنسيا” والمشكل لتحالف “سومار”، “ألبرتو إيبانييث”، مضمونها إلى النيابة العامة لدى المحكمة العليا مطالبا بالتحقيق بشأن شبهة جريمة كراهية. واعتبر “إيبانييث” أن العبارات الصادرة عن القيادي في “فوكس” لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد موقف سياسي، بالنظر إلى ما قد تحمله، وفق تقديره، من تحريض على العنف وتغذية لثقافة المواجهة والعداء تجاه المهاجرين.
والأخطر أن هذا الخطاب لا يكتفي بتقديم الهجرة باعتبارها مشكلة سياسية أو أمنية، بل يسعى إلى إعادة تعريف المهاجر نفسه باعتباره مشكلة. وهنا تكمن إحدى أخطر أدوات اليمين المتطرف: تحويل الإنسان إلى صورة نمطية، وربطه بالخطر والفوضى والتهديد، ثم استخدام هذه الصورة لتبرير خطاب أكثر تشددا وإقصاء. ومع تكرار هذا النوع من الخطاب، تصبح اللغة العنصرية جزءا من المنافسة السياسية، ويتحول الخوف من المهاجر إلى وقود انتخابي.
وتزداد خطورة التصريح حين يتعلق الأمر بقاصرين، وهي الفئة التي توقف عندها النائب الإسباني في انتقاده لتصريحات “فيغاريدو”. فحتى الخلاف حول الهجرة، مهما بلغت حدته، لا يمنح السياسي حق إسقاط الحدود الفاصلة بين تطبيق القانون والتحريض على مطاردة أشخاص ينتمون إلى فئة هشة. وحين يستعمل فعل “الاصطياد” لوصف التعامل مع هؤلاء، فإن الأمر يكشف خللا أعمق من مجرد اختيار لفظ قاسٍ؛ إنه يكشف تصورا للآخر يقوم على نزع إنسانيته قبل الحكم على وضعه القانوني.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات “فيغاريدو” جزءا من معركة اليمين المتطرف على إعادة تعريف الهجرة داخل المجال السياسي الإسباني. فبدل أن تكون القضية موضوعا للنقاش حول قوانين الاستقبال والحدود والاندماج، يجري دفعها نحو منطق “الخطر” و”التهديد”، حيث يصبح المهاجر هو العنوان الجاهز لكل المخاوف الاجتماعية والأمنية. ومن هذه الزاوية، لا تبدو عبارة “اصطياد المهاجرين واحداً واحداً” مجرد تعبير صادم، بل تكثيفا لمنطق سياسي يجعل من استهداف المهاجر وسيلة للتعبئة.
ولهذا تكتسب إحالة التصريحات إلى النيابة العامة دلالة تتجاوز بعدها القضائي المباشر. فالمسألة لم تعد فقط في معرفة ما إذا كانت العبارة تستوفي شروط جريمة يعاقب عليها القانون الإسباني، وهو أمر يعود إلى القضاء، وإنما في كشف الحدود التي يمكن أن يبلغها الخطاب السياسي عندما يتحول الإنسان إلى مادة للتحريض والتعبئة. إن الديمقراطية لا تختبر فقط في صناديق الاقتراع، وإنما أيضا في قدرة المجال السياسي على رفض تحويل الكراهية إلى لغة عادية، والعنصرية إلى خطاب انتخابي مقبول.
ومن هنا، فإن عبارة “اصطياد المهاجرين واحداً واحداً” تضع خطاب “فوكس” أمام مرآته. فحين يصبح المهاجر “صيداً”، لا يعود الأمر مجرد تشدد في الموقف من الهجرة، بل انتقالا إلى خطاب ينزع عن الآخر إنسانيته ويمنحه صفة الهدف. وهذه بالضبط هي اللحظة التي يكشف فيها اليمين المتطرف عن وجهه الأكثر صراحة: ليس فقط رفض المهاجر، وإنما بناء خطاب سياسي يقوم على تخويف المجتمع منه، وتحويل وجوده إلى مبرر دائم للتعبئة والاستقطاب والعداء.































