كشف المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في خلاصاته الأولية حول العبور الجماعي الذي شهدته منطقتا الفنيدق وسبتة وبني أنصار ومليلية، عن الدور المتنامي للفضاء الرقمي في التحضير لمحاولات العبور وتنسيقها والتعبئة لها، مؤكدا أن المنصات الرقمية لم تعد مجرد فضاء لتداول المعلومات، بل تحولت خلال هذه الأحداث إلى أداة للتوجيه والتنسيق ونشر الأخبار المضللة وتبادل الإرشادات العملية.
وأوضح المجلس، في بلاغ نشره في 7 غشت، أن رصده الميداني والرقمي شمل الفيديوهات والشهادات المرتبطة بالعبور والمحتويات المتداولة على منصات “إكس” و”إنستغرام” و”تيك توك”، فضلا عن 23 مجموعة على “فيسبوك” كان عدد أعضائها مجتمعين يتجاوز مليونا و86 ألف عضو، بمعدل يفوق 1400 تدوينة يوميا
وربط المجلس تصاعد وتيرة العبور، خصوصا منذ منتصف يوليوز، بتنامي المحتوى الرقمي المرتبط بالهجرة، مشيرا إلى أن قرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في 8 يوليوز، والمتعلق بإجراءات إعادة المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر، تحول إلى مادة للتأويل والتضليل داخل مجموعات ومنصات رقمية. وسجل المجلس أن إحدى الصفحات التي يتجاوز عدد متابعيها 90 ألفا نشرت مضمونا يفيد، بشكل غير دقيق، بأن المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولة الوصول إلى سبتة أو مليلية لا يمكن إرجاعهم.
ومع اقتراب نهاية يوليوز، اتخذت التعبئة الرقمية منحى أكثر وضوحا، إذ رصد المجلس انتشار أخبار تفيد بأن “الحدود مفتوحة”، قبل أن تتوافد أعداد كبيرة من الشباب والقاصرين والعائلات على الفنيدق يومي 29 و30 يوليوز. وأفادت شهادات استمعت إليها فرق المجلس بأن مجموعات من الشباب تلقت عبر تطبيق “واتساب” رسائل تدعوها إلى التوجه نحو بوابة العبور بعد منتصف الليل من أجل محاولة المرور الجماعي إلى سبتة.
ولم يقتصر النشاط الرقمي، وفق المعطيات التي جمعها المجلس، على الدعوة إلى العبور، بل شمل تبادل الإرشادات المتعلقة بالاستعداد للرحلة، واقتناء معدات السباحة وسترات النجاة والزعانف، وتبادل المعلومات الميدانية حول نقاط التجمع والمسالك وأماكن المراقبة والتوقيت، فضلا عن تنسيق التنقل بين المدن وإنشاء مجموعات على “واتساب” و”تلغرام” وتقاسم روابط الالتحاق بها.
وسجل المجلس، في المقابل، مؤشرات على وجود وسطاء أو شبكات قد تكون مرتبطة بالاتجار بالبشر، من خلال منشورات تعرض خدمات لتنظيم أو تسهيل رحلات العبور، إلى جانب محتويات تتضمن معلومات عن المسالك وتجارب العبور السابقة، وتبرز نجاح مجموعات من الأشخاص في الوصول إلى سبتة. كما رصد حسابات أجنبية داخل مجموعات مغربية تنشر أخبارا زائفة ومحتويات تشجع على العبور أو تسهله.
وبحسب المجلس، بلغ العبور ذروته يومي 30 و31 يوليوز، بعدما سجلت الفترة الممتدة بين 15 و27 يوليوز نحو 1500 حالة هجرة إلى سبتة من البالغين والقاصرين. وفي 30 يوليوز، عبر آلاف المواطنين المغاربة والأجانب، بينهم أطفال ويافعون ونساء، نحو المدينة، فيما شهدت محاولات منع العبور مواجهات عنيفة مع القوات العمومية، بالتزامن مع تدخلات مماثلة في محيط بني أنصار وفرخانة لمنع محاولات الوصول إلى مليلية.
وخلفت الأحداث حصيلة ثقيلة، إذ أفاد المجلس، إلى غاية 6 غشت، بارتفاع عدد الوفيات وفق المعطيات المغربية إلى 14 شخصا، مقابل إعلان سلطات سبتة عن وفاة 80 شخصا، مع استمرار وجود جثامين في مستودع الأموات في انتظار استكمال إجراءات التعرف عليها. كما سجلت 136 إصابة طفيفة في صفوف المدنيين، فيما أحيل 13 مصابا إلى مؤسسات استشفائية، إلى جانب تقديم علاجات واستشارات طبية لـ87 عنصرا من القوات العمومية.
وفي الجانب القضائي، أشار المجلس إلى توقيف نحو 100 شخص على خلفية الأحداث بسبتة، بينهم 11 حدثا، بينما أحيل في أحداث بني أنصار 23 شخصا على استئنافية الناظور، بينهم أجنبيان، إضافة إلى 11 قاصرا. كما رصدت فرق المجلس أضرارا مادية لحقت بعشرات السيارات الخاصة والدراجات النارية وعدد من سيارات القوات العمومية.
وخلص المجلس إلى أن ظاهرة العبور الجماعي الأخيرة لا يمكن اختزالها في مقاربة تقليدية تربط الهجرة حصرا بالفقر أو الهشاشة، داعيا إلى فهم التحولات التي طرأت على تطلعات الراغبين في العبور، في ظل مجتمعات رقمية تتجاوز، بطبيعتها، منطق الحدود والحواجز. كما اعتبر أن الفضاءات الرقمية أدت دورا حاسما في مختلف مراحل الظاهرة، من التعبئة والتنسيق والإرشاد إلى التضليل، فضلا عن ظهور محتويات مرتبطة بخدمات قد تندرج ضمن الاتجار بالبشر.
وفي خلاصاته، أثار المجلس أيضا جملة من القضايا الحقوقية المرتبطة بطريقة تدبير عمليات المنع والإعادة، وسجل وقائع وممارسات قال إنها تثير مخاوف جدية بشأن احترام حقوق الإنسان، إلى جانب حالات مساس بالسلامة الجسدية للعابرين وأفراد القوات العمومية، وتسجيل اعتداءات ذات طابع عنصري وكراهية للأجانب داخل سبتة.
وبذلك، تضع خلاصات المجلس الوطني لحقوق الإنسان ظاهرة العبور الجماعي الأخيرة أمام معادلة تتجاوز الحدود الميدانية، بعدما أظهرت الوقائع أن جزءا أساسيا من عمليات التعبئة والتنسيق والتضليل جرى داخل فضاء رقمي مفتوح، بما يجعل فهم ما حدث في الفنيدق وسبتة وبني أنصار ومليلية مرتبطا أيضا بفهم الطريقة التي أصبحت بها المنصات الرقمية تؤثر في سلوك الراغبين في العبور وتعيد تشكيل قراراتهم.































