ارتباطاً بالأحداث الأخيرة التي شهدها معبر سبتة المحتلة، وما رافقها من محاولات للوصول إلى المدينة، فتحت الدكتورة خديجة الحبوبي، زاوية جديدة في قراءة ظاهرة الهجرة غير النظامية، من خلال التوقف عند الدور المتزايد للفضاء الرقمي في تشكيل تصورات الشباب والتأثير في سلوكياتهم وقراراتهم. وترى الحبوبي أن فهم الظاهرة لم يعد يستقيم بالاقتصار على أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، في ظل الحضور المتنامي لمنصات التواصل
وقالت الحبوبي، الفاعلة السياسية ومديرة المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بالحسيمة، في حديثها إلى موقع “ألتبريس” أن الخوارزميات لا تتحكم بصورة مباشرة في قرارات الشباب، لكنها تمتلك قدرة كبيرة على تحديد ما يظهر أمامهم وتضخيم محتويات بعينها، استنادا إلى أنماط المشاهدة والتفاعل. ومع تكرار التعرض لمحتويات مرتبطة بالهجرة، قد يجد المستخدم نفسه داخل دائرة رقمية تعيد إنتاج الرواية ذاتها، فتتراجع أمامه الأصوات المختلفة والمعلومات التي تكشف الوجه الآخر للتجربة.
وحذرت من أن الخطورة لا تكمن في تداول موضوع الهجرة في حد ذاته، باعتباره جزءا من النقاش العام، وإنما في انتقال بعض المحتويات من عرض التجارب إلى صناعة صورة انتقائية عن الوصول إلى أوروبا، أو تقديم العبور باعتباره فرصة سهلة ومتاحة، خصوصا عندما تستهدف هذه الرسائل فئات عمرية صغيرة. فالفيديو الذي يعرض نجاح مهاجر في الوصول، من دون أن يكشف المخاطر والصعوبات التي رافقت الرحلة، قد يتحول، بفعل التكرار والانتشار، إلى رسالة تأثير تتجاوز صاحبها.
وتزداد حساسية المسألة، وفق المتحدثة، عندما يتعلق الأمر بالقاصرين، الذين يعيشون مرحلة عمرية تتقاطع فيها الرغبة في الاستقلال والبحث عن الذات مع قابلية أكبر للتأثر بالمحتوى الرقمي. لذلك، فإن ظهور القاصرين في محاولات الهجرة لا ينبغي أن يُقرأ، في نظرها، باعتباره مجرد رقم ضمن إحصائيات العبور، بل مؤشرا على أزمة أعمق تتصل بصورة المستقبل وبمفهوم النجاح وبالمصادر التي يستمد منها الجيل الجديد تصوراته عن الحياة.
واعتبرت الحبوبي أن أحداث سبتة تكشف جانبا آخر من الظاهرة، يتعلق بسرعة انتقال المعلومات والشائعات والصور ومقاطع الفيديو، وقدرتها على التحول في وقت قصير إلى أدوات للتعبئة والتأثير. ومن هنا، تقول، لم يعد السؤال مقتصرا على معرفة أسباب رغبة الشباب في الهجرة، بل أصبح من الضروري أيضاً تفكيك البيئة الرقمية التي تتحرك داخلها هذه الرغبة،.أي ماذا يشاهد الشباب؟ من يخاطبهم؟ كيف تنتشر الرسائل؟ ولماذا تحظى بعض الروايات بانتشار أكبر من غيرها؟
وفي مواجهة هذا الواقع، تدعو الحبوبي إلى الانتقال من منطق المنع وحده إلى بناء ما تسميه “الحصانة الرقمية”، عبر تمكين الشباب من فهم آليات عمل الخوارزميات، والتحقق من المعلومات، واكتشاف المحتوى المضلل، والتمييز بين التجربة الفردية والصورة العامة، وعدم بناء قرارات مصيرية على محتوى مجهول المصدر. وترى أن المدرسة والجامعة والأسرة والإعلام مطالبة بإدماج هذه الثقافة ضمن التربية الحديثة، باعتبارها جزءا من بناء التفكير النقدي، وليس مجرد معرفة تقنية.
غير أن معالجة الجانب الرقمي، في تقديرها، لا ينبغي أن تحجب الأسباب الأصلية للهجرة. فالشاب الذي يشعر بانسداد الأفق أو بفقدان الثقة في المستقبل يصبح أكثر استعداد لتصديق صورة مثالية لحياة أخرى تقدمها له الشاشة. ولذلك، تؤكد أن مواجهة المحتوى المحرض أو المضلل لا يمكن فصلها عن معالجة قضايا التعليم وفرص العمل والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، لأن الخوارزمية قد تضخم الحلم، لكنها لا تصنع بالضرورة الإحباط الذي جعل ذلك الحلم جذابا.
وخلصت الحبوبي إلى أن أحداث سبتة تتيح فرصة لفتح نقاش أوسع حول علاقة الشباب بالفضاء الرقمي ومستقبلهم، في زمن لم يعد فيه التأثير الجماهيري يحتاج إلى صحيفة أو قناة تلفزيونية أو منبر تقليدي. فقد تكفي شاشة هاتف وخوارزمية قادرة على دفع محتوى معين إلى آلاف أو ملايين المستخدمين. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في حماية الشباب من مخاطر العبور، بل في تحصين قدرتهم على التمييز والاختيار، والحفاظ على استقلال القرار أمام عالم رقمي يعيد، باستمرار، ترتيب ما يرونه ويصدقونه ويتخيلونه عن مستقبلهم.































