الغبزوري السكناوي
كشفت الحملة الانتخابية الأخيرة أن كثيرا من الوجوه السياسية التي تطلب تجديد التفويض ليست مستعدة بالقدر نفسه لمواجهة سؤال الحصيلة. فحين اقترب موعد الحساب، بدا استعراض الوعود أيسر من استحضار ما تحقق، والحديث عن الترافع أسهل من وضع نتائجه على الطاولة. ومع انقضاء الحملة، بقي السؤال الذي لا تكفيه البلاغة الانتخابية، ماذا فعلت هذه الوجوه بالتفويض السابق، قبل أن تطلب من الناخب تفويضا جديدا؟
الحصيلة ليست دفتر أسئلة شفوية ولا رزمة مراسلات ولا أرشيف صور من اللقاءات المؤسساتية. الترافع السياسي، في معناه الجدي، يبدأ من مطلب محلي يتحول إلى ملف، ومن ملف يتحول إلى ضغط مؤسساتي، ومن الضغط إلى نتيجة؛ أو إلى تعثر واضح يمكن تحديد نقطته ومسؤوليته. أما اختزال الولاية في عبارة “قمنا بما علينا”، فيحول التمثيلية النيابية من مسؤولية سياسية إلى رواية ذاتية عن الأداء، لا يعرف الناخب فيها أين انتهى الفعل وأين بدأت الحجة.
والأكثر دلالة أن بعض الخطابات التي أفرزتها الحملة أخذت تبحث عن مخرج للحصيلة في مكان آخر، شيء ما فوق الإرادة، وجهة ما تتجاوز ممثل الأمة في القبة المحترمة، وقرار ما يقع في مستوى أعلى من قدرة الفاعل السياسي. وحين تقترب اللغة من عبارة “التعليمات” دون أن تسمي الفاعل، فإنها تستدعي في الوعي السياسي المغربي إحالة ثقيلة لا يجوز التعامل معها كعبارة عابرة. فاستدعاء “الفوق” لتفسير العجز لا يشرح حدود الاختصاص بقدر ما ينقل مركز المسؤولية إلى خارج المجال الذي يفترض أن يمارس فيه النائب البراماني تفويضه.
ذلك أن التفويض الانتخابي لا يمنح صاحبه سلطة مطلقة، لكنه يمنحه شيئا أكثر أهمية، مسؤولية سياسية محددة. والبرلماني ليس صاحب القرار في كل تفاصيل الشأن العام، ولا يملك مفاتيح كل المؤسسات، لكن موقعه داخل المؤسسة التشريعية يجعله طرفا في صناعة الموقف السياسي، وفي مساءلة الحكومة، وفي الدفاع عن القضايا التي حملها معه من دائرته الانتخابية. أما حين يصبح كل تعثر محكوما بوجود “جهة عليا”، فإن الوساطة السياسية نفسها تفقد معناها، ويصبح النائبزاليراماني أول من يعلن، من داخل المؤسسة، محدودية جدوى المؤسسة التي جاء إليها بتفويض من الناخب.
لا يمكن فصل هذا الخطاب عن ذاكرة سياسية ما تزال حاضرة في المجال العام المحلي. فقد كان أحد أسئلة ما بعد الحراك هو استعادة قنوات الوساطة والتمثيل، وإعادة بناء المسافة السياسية التي تتيح للمجتمع أن يخاطب الدولة عبر مؤسسات وفاعلين منتخبين قادرين على حمل المطالب والتفاوض حولها. لذلك فإن إسناد التعثر، بصورة مباشرة أو مواربة، إلى “جهات ما” لا يغلق باب المساءلة فحسب؛ بل يترك المجال مفتوحا أمام تأويل أكثر قسوة، إذا كان المنتخب نفسه يحيل كل تعثر إلى جهات تتجاوز صلاحياته، فما الذي يبقى من وظيفة الوسيط السياسي
ليست المشكلة في أن يصطدم البرلماني بحدود الاختصاص أو بتعقيدات القرار العمومي؛ تلك طبيعة العمل المؤسساتي. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاصطدام نفسه إلى حصيلة، عندها تنقلب وظيفة التفويض الانتخابي نفسها. فالبرلماني الذي يسأل عما أنجزه خلال ولايته لا يقدم فقط ما قام به وما لم يستطع إنجازه، بل يرد جزءا من تعثره إلى قرارات ومواقف تقع، بحسب روايته، خارج إرادته واختصاصه. وبدل أن تنتهي المساءلة عند حدود واضحة، ماذا تحقق؟ تتحول الإجابة إلى مساحة واسعة لتوزيع المسؤولية على جهات لا تظهر في ورقة الاقتراع ولا تخضع لحساب الناخب.
ليس مطلوبا من البرلماني أن يكون صاحب القرار في كل قضية، ولا أن ينسب إلى نفسه صلاحيات لا يملكها. المطلوب أن يشرح للناخب ما فعله فعلا، ما الملفات التي حملها إلى الحكومة والمؤسسات، وما الذي تحقق منها، وما الذي بقي عالقاً، ولأي سبب. أما أن تُختصر الولاية في القول إن المنتخب بذل جهده، ثم يُعزى ما لم يتحقق إلى قرارات صادرة من خارج اختصاصه، فذلك لا يقدم حصيلة بقدر ما يقدم مبررا لها. وعندما تصبح “جهات ما” جوابا جاهزا عن كل تعثر، تضيع المسؤولية السياسية.
ربما كان هذا هو الوجه الأكثر دلالة للحملة الأخيرة، أن العجز لا يحتاج إلى برنامج جديد كي يترشح، بل يحتاج فقط إلى رواية أكثر براعة في تفسيره. يكفي أن تتغير صياغة الوعود، وأن تتسع مساحة الأعذار، وأن يرحّل التعثر من ولاية إلى أخرى حتى يصبح التأجيل جزءا من المشهد الانتخابي نفسه. غير أن التفويض لا يتجدد ب”البلاغة” وإنما بقدرة صاحبه على تقديم الحصيلة بوضوح، وتحمل مسؤوليته السياسية، بدل البحث عن أسباب الفشل خارج القبة
ولعل الأخطر في خطاب إحالة التعثر إلى “جهات ما” تتجاوز إرادة المنتخبين أنه يأتي في منطقة ما تزال تبحث عن استعادة هدوئها السياسي بعد سنوات من الاحتقان والتوتر. فالحاجة اليوم ليست إلى توسيع المسافة بين المجتمع والمؤسسات، ولا إلى إعادة إنتاج خطاب يوحي بأن الوساطة الإنتخابية عاجزة أمام قرار لا تملك الوصول إليه.
ولكن الأشد إثارة للقلق أن يصدر مثل هذا الخطاب عن وسيط سياسي يفترض أن تكون مهمته وصل المجتمع بالمؤسسات، لا تعميق الشك في جدوى هذه الصلة. ففي السياسة، قد يكون العجز قابلا للمساءلة، أما تحويله إلى خطاب يحمّل “جهات” غامضة مسؤوليته، فذلك قد يفتح توترا جديدا بدل أن يساعد على إغلاق صفحات الإحتقان السابقة.































