الغبزوري السكناوي
لم يكن الزحف نحو سبتة ومليلية المحتلتين بحثا عن الخبز. كان بحثا عن شيء أكبر من الخبز، وأندر من المال. كان بحثا عن مكان يشعر فيه الإنسان أن عمره ليس مؤجلا، وأن جهده ليس فائضا عن الحاجة، وأن مستقبله لا يكتبه أحد نيابة عنه. فالخبز يسد الجوع يوما، أما الكرامة فتمدد العمر كله. والإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل يعيش أيضا بما يبقي رأسه مرفوعا، وقلبه مطمئنا، وعينيه معلقتين بالغد.
الأمل لا يغادر صاحبه دفعة واحدة، بل ينسحب كما ينسحب الضوء آخر النهار. يبدأ الأمر بشعور خافت بأن الغد لم يعد يشبه الوعود، ثم يكبر حتى يصبح يقينا بأن الطريق لا يقود الجميع إلى الوجهة نفسها. هناك من تفتح له الأبواب قبل أن يطرقها، وهناك من يطرقها بعمر كامل، فلا يسمع سوى صدى تعبه. وحين يصبح الغد امتيازا لا استحقاقا، يبدأ الرحيل من الداخل. عندها تبدأ الهجرة، حتى لو ظل الجسد مقيما في وطنه.
لم يولد ذلك المشهد عند الأسلاك، ولم يولد على الشاطئ، بل في أماكن بعيدة عن عدسات الكاميرات. بدأ يوم صار الانتظار أطول من الأمل، ولد في قلب شاب عاد من مباراة وهو يدرك أن النتيجة سبقته، وفي خيبة خريج اكتشف أن سنوات الاجتهاد لا تضمن له مكانا، وفي صمت أب عجز عن إقناع أبنائه بأن الغد سيكون أرحم من الأمس. فما بدا زحفا نحو المجهول، لم يكن سوى اللحظة التي خرج فيها ما تراكم بصمت في القلوب، بعد سنوات من الخيبات الصغيرة التي لم يكن يراها أحد.
لم يهربوا من الفقر وحده. هربوا من الإحساس بأن المستقبل محجوز لغيرهم. لم يهربوا من البطالة فقط، وإنما من وظيفة تعرف اسم صاحبها قبل أن يعلن عنها. هربوا من اتساع الامتيازات أكثر مما هربوا من ضيق العيش. هربوا من مسؤول يرى المنصب امتدادا لدائرة الأقارب والأصدقاء، ومن أحزاب يتغير فيها الشعار، ولا تتغير الوجوه. هربوا من أبواب لا تفتحها الكفاءة دائما، بل تسبقها أحيانا القرابة، والوساطة، والنفوذ.
هربوا من اقتصاد يطلب المستثمر، ثم يربكه بالغموض. ومن جامعة يفترض أن تكون طريقا للتميز، فإذا بها، في نظر كثيرين، تفقد قدرتها على إقناعهم بأن الاجتهاد وحده يكفي. هربوا من شعور ثقيل، لا من مؤسسة بعينها. فالمشكلة ليست في خطأ منفرد، بل في تراكم أخطاء صغيرة، تتكرر حتى تتحول إلى يقين كبير، أن الطريق صار أطول على الذين لا يملكون سوى كفاءتهم.
البحر ليس أكثر خطورة من اليأس. واليابسة ليست أكثر أمنا حين تضيق بالانتظار. أخطر أنواع الفساد ليس الذي يبدد المال العام، بل الذي يبدد الإيمان بالمستقبل. فالأموال قد تعود، والمشاريع قد تنجز، أما الثقة إذا انكسرت، فإنها لا تعود بالسرعة نفسها. وعندما تتصدع الثقة، يغادر الأمل أولا، ثم يغادر الناس بعده. فالجسد لا يسبق الحلم، بل يتبعه دائما.
قد توجد قراءات أخرى لما وقع، وقد يكون لبعضها ما يسندها. لكن يبقى فرق أخلاقي وسياسي بين من استثمر المشهد، ومن صنع أسبابه. بين من التقط الصورة، ومن دفعها إلى الوجود. فالذين كانوا أمام الأسلاك لم يكونوا جيوشا، ولا خرائط، ولا أوراق تفاوض. كانوا أطفالا، ومراهقين، وشبابا، وآباء، وأمهات، جاءوا من الغرب، ومن الريف، ومن الشرق، ومن الجنوب، ومن مدن وقرى متباعدة، لكنهم حملوا السؤال نفسه.
لم يغادروا لأن أوروبا جنة. غادروا لأن الوطن لم يعد يعدهم بما يكفي من الأمل. لم يحملهم البحر، بل حملهم انسداد الأفق. ولم يدفعهم الجوع، بل دفعهم الإحساس بأن العدالة أصبحت امتيازا أكثر منها حقا. فالإنسان لا يهرب من وطنه عندما يخسر راتبه، وإنما حين يخسر مكانه فيه. وعندها يصبح المجهول أقل قسوة من واقع لا يرى فيه نفسه.
الهجرة ليست تصويتا لصالح الضفة الأخرى، بل تصويت بسحب الثقة من الداخل. إنها احتجاج صامت، لا يرفع لافتات، ولا يردد شعارات، لكنه يطلق السؤال الأكثر إيلاما، ماذا بقي في الداخل ليستحق الانتظار؟ فالدول لا تبنى بالطرق والموانئ والملاعب وحدها، بل تبنى أيضا بالشعور العادل بأن لكل مجتهد نصيب، ولكل شاب مكانا، ولكل حلم حقا في أن يكبر داخل وطنه، لا خارجه.
لم يكن المشهد الحقيقي مئات الأجساد وهي تتجه نحو سبتة ومليلية. كان المشهد الحقيقي آلاف الأحلام وهي تغادر المغرب قبل أصحابها. وذلك هو الجرح الذي ينبغي أن يؤلمنا جميعا. فالدول لا تخسر أبناءها عندما يعبرون البحر، بل عندما يعبر اليأس إلى قلوبهم. وحين يهاجر الأمل، تصبح الحدود مجرد تفصيل، ويغدو البحر شاهدا على خسارة بدأت في اليابسة قبل أن تصل إلى الماء.































