الغبزوري السكناوي
فجأة، وبعد عقود من العمل البيئي، استيقظ “الضمير الأخضر” في الإقليم على حقيقة مذهلة، الشواطئ في خطر، والمنتزه الوطني يتعرض للضغط، والغطاء النباتي يتراجع، والبحر يتلقى نصيبه من العبث، والثروة البحرية ليست في أفضل أحوالها. لا أحد يجادل في ذلك، ولا يحتاج الأمر إلى كثير من العناء لإثباته. لكن ما يستحق السؤال ليس حقيقة التدهور، بل توقيت اكتشافه، خصوصا حين يصدر عن فاعلين راكموا ثلاثة عقود من الاشتغال في المجال البيئي.
ثلاثون سنة من العمل يفترض أن تنتج حصيلة، لا مجرد قدرة على توصيف الأزمة بعد وقوعها. فإذا كان المجال البيئي قد بلغ اليوم هذا المستوى من الهشاشة، فمن المشروع أن نسأل عما فعلته كل تلك المشاريع والبرامج والدراسات والأنشطة التي ملأت هذا المسار الطويل. ليس من باب محاكمة النوايا، وإنما من باب مساءلة الأثر. فالعمل المدني، مثل مثل السياسة، لا يقاس بما يقوله أصحابه عن أنفسهم، وإنما بما تركه من أثر ونتيجة
بعد ثلاثين سنة، أصبح سؤال الحصيلة أكثر إلحاحا من سؤال النوايا. ماذا تغير فعلا؟ ما الذي تمت حمايته؟ ما الذي استعيد؟ وما الذي بقي من المشاريع بعد انتهاء تمويلاتها وآجالها؟ لا تكفي الدراسات، ولا كثرة الأنشطة، ولا وفرة المصطلحات التي تملأ الأدبيات البيئية. فالاستدامة لا تقاس بعدد المرات التي نذكر فيها الكلمة، وإنما بما يبقى في البحر والغابة والشاطئ والمنتزه بعد انقضاء المشروع وانطفاء أضواء العرض التقديمي والختامي في القاعات المكيفة.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن جزءا من “الخطاب الأخضر” بدأ ينزاح من ترسيخ السلوك البيئي المسؤول إلى تصور للحماية يقوم على إقصاء الإنسان من المجال. فبدل أن يكون الولوج المنظم إلى الشواطئ والمنتزه مدخلا لترسيخ الوعي بالمسؤولية البيئية، بات حضور الناس يقدم باعتباره مصدر ضغط يستدعي المنع والتضييق. وهكذا تبلغ الحماية أقصى مفارقاتها تطرفا، يراد صون الطبيعة بإبعاد الإنسان، فيما يُفترض أن يكون شريكا في حمايتها. فالمقاربة التي لا ترى في الإنسان إلا ضغطا بيئيا، تنتهي إلى حماية الطبيعة من المواطن، بدل حمايتها بالمواطن.
فإذا تحولت حماية الشاطئ إلى حرمان الناس من الولوج إليه، وحماية المنتزهات الطبيعية إلى عزلها عن محيطها المجتمعي، فإن الحماية تكون قد تجاوزت غايتها. طبعا لا أحد يدعو إلى ترك هذه الشواطئ والمنتزهات للفوضى والعبث، ولا إلى تجاهل هشاشة المجال. المطلوب هو التدبير، لا الإقصاء؛ التنظيم، لا المصادرة؛ المشاركة، لا الوصاية. المواطن الذي يعرف قيمة مجاله ويحضر في القرار ويتحمل مسؤوليته أكثر نفعا للبيئة من مواطن يبعد عنها ثم يطلب منه الدفاع عنها. حماية المجال لا تعني إفراغه من الناس، بل بناء علاقة مسؤولة بينهم وبينه.
وهنا تصبح “المقاربة التشاركية” واحدة من أكثر العبارات إثارة للسخرية في القاموس البيئي المحلي. يستحضر المواطن في المشاريع باعتباره مستفيدا، وفي الدراسات باعتباره رقما، وفي بيانات الترافع باعتباره صاحب مصلحة، ثم يغيب حين يتعلق الأمر بتدبير المجال. أي معنى يبقى للمقاربة التشاركية إذا كان المواطن شريكا في الخطاب ومزعجا في الممارسة؟ وأي حكامة تلك التي تبدأ بالحديث باسم الناس وتنتهي بإغلاق المجال الذي يعيشون فيه؟ المشاركة ليست مصطلحا في التقارير، بل حضورا فعليا في المعرفة والقرار والمساءلة.
الشفافية ليست مبدأ صالحا لمساءلة الآخرين وحدهم. الجمعيات التي تتحدث باسم المصلحة العامة مطالبة هي الأخرى بأن تجعل عملها قابلا للمساءلة، مشاريعها، تمويلاتها، ميزانياتها، دراساتها، ونتائج تدخلاتها. ثلاثون سنة من الحديث عن الإنسان والمجال تفرض أن تعرف الساكنة ماذا أُنجز باسمها. والمجتمع المدني الحقيقي هو الذي يجعل من كشف عمله جزءا من وجوده في المجال العام، ويترك تجربته مفتوحة للرقابة المؤسساتية والشعبية. أما الاحتماء بطول التجربة، فليس جوابا؛ فالزمن لا يتحول إلى إنجاز لمجرد أنه مر ومضى.
النتيجة أن الطبيعة لا تحتاج إلى خطب كي تقدم حصيلتها، الشاطئ يحكي ما حدث، والبحر يقول ما حدث، والغابة تقول ما حدث، والمنتزه يقول ما حدث. ولكن في الحسيمة، وحدها، الخطاب يستطيع أن يظل “ناجحا” بينما تتراجع المؤشرات التي يتحدث عنها. لذلك لا تبدو الحاجة إلى مزيد من البيانات التي تكتشف الخطر، بقدر ما تبدو الحاجة إلى كشف ما أنتجته ثلاثة عقود من العمل البيئي. وهنا يجب أن نعود إلى أصل الحكاية، أي بيئة نريد؟ بيئة منفصلة عن المجتمع، أم منظومة يتقاطع فيها الحق في المجال مع واجب حمايته؟ فالبيئة ليست ما يبقى بعد إخراج الإنسان من المعادلة، بل ما يبقى حين يصبح الإنسان شريكا في حمايتها.































