الغبزوري السكناوي
ثمة “حكمة” ساخرة يتداولها الفرنسيون تقول: إذا رأيت مرحاضا في المنام، فلا تستخدمه إطلاقاً. ورغم أنني لا أعرف مدى وجاهتها من الناحية النفسية، فإنني أميل إلى الاعتقاد بأنها تستحق مكانا معتبرا في أدبيات السياسية المحلية. ففكرة المرحاض في الحلم تقوم على سوء تقدير بسيط؛ إذ يبدو كل شيء طبيعيا، ومقنعا، بل ومتاحا للاستعمال. لا شيء يثير الريبة أو يدعو إلى التردد، بل يشعر صاحب الحلم براحة حقيقية لأنه يعتقد أنه عثر أخيرا على الحل المناسب لحاجته الملحة. غير أن المشكلة لا تبدأ داخل الحلم، بل في لحظة الاستيقاظ، حيث يكتشف الحالم أن “الراحة” كانت وهما، وأن النتيجة ملوثة ومزعجة للغاية.
تذكرت تلك “الحكمة” وأنا أتابع الحراك المبكر لبعض الرهانات والوجوه الانتخابية في مدينتي. فثمة أسماء تعود إلى الواجهة كل بضع سنوات بالثقة نفسها تقريبا، رغم أن التجربة معها أصبحت من الأشياء القليلة التي لا تحتاج إلى استطلاع رأي لمعرفة نتائجها. فجأة يتحول برلماني سابق إلى مشروع إنقاذ، وبرلماني حالي إلى ضرورة وطنية، ومرشح جديد إلى فتح سياسي مبين، فقط لأنه أضاف إلى صورته الانتخابية بعض اللمسات الفنية الجديدة.
لقد أصبح لهذه المدينة تقليد سياسي راسخ، إعادة تدوير الأمل أكثر من إنتاجه. فالأسماء نفسها تعود إلينا في كل محطة انتخابية كما تعود المسلسلات التي يعرف المشاهد نهايتها قبل بداية الحلقة الأولى. الجميع ينتقد السيناريو، والجميع يشتكي من أداء الممثلين، لكن العرض يستمر لمواسم إضافية. والفرق الوحيد أن الدراما التلفزيونية لا تطالب الجمهور بمنحها تفويضا جديدا كل خمس سنوات.
المفارقة أن الأزمة لم تعد تكمن في محدودية أداء هذه النخب فقط، بل في نجاحها في إقناع جزء من الرأي العام بأن الفشل ليس سوى سوء حظ انتخابي يحتاج إلى فرصة إضافية. وهكذا تحولت المسؤولية السياسية من مبدأ للمحاسبة إلى نظام للتقسيط. كل ولاية تؤجل حساب الولاية التي سبقتها، وكل حصيلة تحال على حصيلة قادمة، حتى صار الفشل نفسه يستفيد من التمديد أكثر مما تستفيد منه المشاريع المؤجلة.
لقد راهنت الدولة والمجتمع معا على هذه النخب اليرلمانية باعتبارها وسيطا بين المؤسسات والمواطنين، وجسرا بين القرار العمومي والواقع الاجتماعي. غير أن التجربة أظهرت أن عددا غير قليل منها تعامل مع موقع الوساطة كما يتعامل بعض السياح مع الجسور؛ يلتقطون الصور فوقها ثم يغادرون. أما مهمة الربط بين الضفتين، ونقل المطالب، وصناعة الثقة، فقد تركت في كثير من الأحيان لمصيرها المجهول.
وكان حراك الريف من أكثر اللحظات التي عرت هذه الحقيقة. ففي الوقت الذي كانت فيه الحاجة قائمة إلى نخب برلمانية تمتلك الجرأة على الكلام والكفاءة على التفاوض والشرعية على الوساطة، اكتشف الجميع أن الكثير ممن يفترض فيهم لعب هذا الدور كانوا أسرع إلى الانسحاب من ساحة الامتحان. لم يكونوا جسرا بين الدولة والمجتمع بقدر ما كانوا أول من غادر الجسر حين أصبحت مهمة العبور أكثر صعوبة.
لذلك يبدو الرهان المتجدد على بعض هذه النخب أقرب إلى تلك الحكمة الفرنسية الساخرة. فالمشكلة ليست في الحلم، بل في الإصرار على التعامل معه باعتباره حقيقة. أما النتيجة فقد عرفناها أكثر من مرة، ينتهي الحلم سريعاً، لكن آثاره تبقى أطول مما ينبغي. وحين نستيقظ على الخيبة، نكتشف أن المدينة لم تكن في حاجة إلى حلم انتخابي جديد، بل إلى يقظة سياسية حقيقية.































