الغبزوري السكناوي
في عالم السياسة، تتعدد طرق الفشل وتتنوع؛ فهناك من يخسر معركة انتخابية بشرف، وهناك من يسقط في فخ تدبير ملف اقتصادي، وهناك حتى من ينسحب بهدوء مفسحا المجال لغيره. كل هذه السيناريوهات الكلاسيكية مفهومة. لكن أن يقرر سياسي وقيادي، بعد عقود من “النضال” والجلوس الوثير تحت قبة البرلمان، أن يختم مسيرته السياسية الحافلة ليس بوسام تقدير أو تصفيق حار، بل بحكم قضائي في قضية تشهير… فهذا لعمري ليس مجرد خطأ سياسي، بل إبداع غير مسبوق في فن الإفلاس الأخلاقي!
نحن هنا لا نتحدث عن مستشار جماعي مبتدئ أو شاب التبست عليه الأمور في لحظة طيش، بل نتحدث عن “جهبذ” من “جهابذة الكوفة”، برلماني مخضرم قاد فريق حزبه لسنوات، وطالما أرهقنا بالحديث عن غوامض السياسة، مقدما نفسه صاحب “الخبرة التي لا تعوض”. لكن، وأسفاه على الخواتيم! فبدل أن يتذكر الناس لهذا الفقيه، القادم من أرض الشرائع الأولى، قانونا أخرجه للوجود، أو مشروعا تنمويا غير ملامح منطقته، سيتذكرون أنه تحول في خريف عمره البيولوجي والسياسي إلى “مشهر” محترف.
الأدهى والأمر أن عبقرية هذا “الزعيم” لم تجد خصما سياسيا لدودا من حزب منافس لتوجه إليه السهام، بل استدارت بكامل ثقلها وخبرتها لتطعن في الظهر زميلة في نفس الحزب، وابنة نفس المنطقة، ومستشارة برلمانية سابقة من أهل البيت! لأن “الزعيم” شعر ربما بالخوف من مقارعة الكبار، فقرر إشعال الحريق داخل غرفته الشخصية. وهكذا تنزلق النخب السياسية من فضاء التنافس إلى منطق التصفية الداخلية، حيث يتحول الخلاف إلى وقود لصراعات لا تنتهي، بدل أن يكون مجالا لإنتاج الفعل السياسي.
ولعل وجه الغرابة في هذه النازلة يكمن في تلك القفزة البهلوانية التي تشهدها مفاهيم العمل الحزبي؛ ففي الماضي، كان السياسي يغادر المشهد خجلا لمجرد أن تحوم حوله الشبهات، احتراما لمنظومة قيم بائدة وفصول من “مدونة السلوك السياسي”. أما اليوم، فحتى الإدانة القضائية لم تعد سببا للانسحاب، بل أصبحت مؤهلا إضافيا؛ إذ تجد “مناضل اليوم” يتأبط حكم إدانته القضائية بيمينه، ويخط بيساره بيانا عن “القيم” و”الالتزام”. ولم يقف التناقض عند هذا الحد، بل بلغ ذروته الدرامية حين يعتلي المنصة ليلقي خطبا عصماء على مسامع نساء الحزب، مستشهدا بأبيات رائد التنوير علال الفاسي:مــا
بــنات الـــناس فــي العالــم طُرًّا فاسقات
هــن كــالــنــاس، فــفــيــهــن بــنــاتٌ وبــنــات
ونحن على مرمى حجر من انتخابات 2026، لم يعد السؤال هو “ماذا سيفعل هذا المسؤول المتقاعد أخلاقيا؟”، بل “ماذا سيفعل الحزب بهذه الجثة السياسية؟” هل سيمتلك الحزب الشجاعة ليقول لـ”الزعيم” إن وقت الرحيل قد حان، أم سيغامر بما تبقى من ماء وجهه ويضعه على رأس اللائحة الانتخابية! إنها معضلة حقيقية؛ فالرجل لم يعد مجرد مرشح، بل تحول إلى عبء انتخابي ثقيل، قنبلة موقوتة تمشي على قدمين، وأي محاولة لتبريره ستكون بمثابة انتحار جماعي للحزب أمام ناخبين لم يعودوا يبتلعون طعم “الحصانة المعنوية”.
أكبر خدمة قدمتها هذه القضية للرأي العام هي أنها أسقطت “وهم الطول”. ذلك الوهم الذي يقنعنا بأن بقاء شخص ما في الكرسي لعقود يجعله تلقائيا رمزا للقيمة والوقار. لقد أثبت التاريخ مجددا أن العمر السياسي لا يقاس بعدد السنوات التي قضيتها تهز رأسك موافقا تحت قبة البرلمان، بل بكيفية خروجك من المسرح. هناك من ينسحب والناس تطالب ببقائه، وهناك من يرفض الخروج حتى يخرجه القاضي بحكم يختصر، في سطر واحد مخجل، كل ما عجزت مساحيق السياسة عن إخفائه لسنوات طويلة.































