الغيزوري السكناوي
في الأيام التي تسبق العيد، يكفي أن تغير وجهتك لتصطدم بنفس المشهد، كثافة بشرية لافتة، تدافع داخل المحلات، وتسارع واضح في وتيرة الشراء. المشهد لا يقتصر على فضاء بعينه، بل يمتد عبر الأسواق بمختلف مستوياتها، في دلالة على انتقال جماعي نحو استهلاك مكثف ومركز زمنيا. الأمر يتجاوز التحضير العادي ليصبح دينامية ضاغطة تعيد تشكيل سلوك الطلب وتفرض إيقاعا خاصا.
هذا التحول لا يمكن تفسيره بالحاجة وحدها، بل يعكس اندفاعا جماعيا تحكمه رهبة التأخر وخشية النقص. يتكاثف الطلب في زمن ضيق، وتتحول عملية الشراء إلى سلوك استعجالي يفتقد للتدرج والتخطيط. في هذا السياق، لا يعود السوق مجرد فضاء لتبادل السلع، بل يتحول إلى مجال يعكس توترا استهلاكيا تتداخل فيه الضرورة مع ضغط اللحظة وتسارعها.
ضمن هذا الإطار، تبدأ الأسعار في التحرك، ليس فقط بفعل آليات العرض والطلب، بل نتيجة مباشرة لتركيز الطلب في فترة محدودة. حين يتجه الجميع نحو نفس السلع وفي نفس التوقيت، تتقلص قدرة المستهلك على الاختيار والتفاوض، ويمنح البائع هامش أوسع للتحكم في السعر. هنا يبرز سؤال مركزي: هل الغلاء مفروض بالكامل، أم أننا نساهم في صناعته؟
اللافت أن هذا السلوك لا يبنى دائما على منطق الحاجة، بل يتغذى من تمثلات اجتماعية راسخة. فالعيد لم يعد مجرد مناسبة للاحتفال، بل صار مجالا لإبراز الجاهزية والمظهر المقبول اجتماعيا. هذا التحول يوسع دائرة الاستهلاك، حيث تتحول بعض المشتريات من حاجات إلى التزامات رمزية، يخشى التفريط فيها أكثر مما ينظر إليها بمنطق الضرورة.
في هذه اللحظة، يحدث انزياح واضح في ترتيب الأولويات، حيث يتقدم ما هو اجتماعي على ما هو فردي. الزمن الذي يفترض أن يتجه نحو التخفف، يتحول إلى زمن ضغط تتحكم فيه حسابات الشراء، وتفرض فيه السوق إيقاعها الخاص. ومع هذا التحول، تتجه الممارسات اليومية نحو الخارج، حيث ما يرى ويقاس ويقارن، بدل ما يعاش بهدوء.
هكذا تتشكل مفارقة لافتة، خطاب جماعي ينتقد الغلاء، وسلوك جماعي يساهم في إنتاجه. بين الشكوى والممارسة، تنكشف فجوة حقيقية لا يمكن فهمها إلا عبر مساءلة أنماط الاستهلاك. فالسوق لا يشتغل في فراغ، بل يستجيب لطلب نصنعه ونغذيه بكثافته واستعجاله، لنجد أنفسنا أمام واقع نشتكي منه ونحن شركاء في صناعته.






























