الغبزوري السكناوي
في رمضان، لا يكون الخبز مجرد مكون أساسي على المائدة، بل يتحول إلى رمز اجتماعي يعكس شكل العلاقات داخل الحي والمدينة. رغيف يضاف إلى قفة محتاج، طبق يرسل إلى جار، أو مائدة تفتح لعابر سبيل، كلها تفاصيل تصنع شبكة تضامن لا تُرى في الإحصاءات لكنها محسوسة في الحياة اليومية. في هذا الشهر، تتجاوز بعض السلع قيمتها المادية لتصبح “عملة اجتماعية” يتداولها الناس بروح المشاركة أكثر مما يتداولونها بمنطق الربح.
مع بداية الشهر، تنتشر مبادرات “القفة” في الأحياء والمؤسسات والجمعيات. أكياس تجمع فيها مواد أساسية، يتصدرها الدقيق والزيت والسكر والتمر، وتوزع على أسر في وضعية هشاشة. المبادرات قد تكون فردية يقودها أبناء حي واحد، أو منظمة عبر جمعيات محلية، لكنها جميعا تنطلق من الإحساس بأن رمضان زمن للتكافل. هذه القفة لا تعوض دخلا مفقودا بقدر ما تخفف عبئا مؤقتا، وتبعث رسالة مفادها أن المجتمع لا يترك أفراده وحدهم في مواجهة الغلاء.
إلى جانب المبادرات المنظمة، يستمر شكل آخر أكثر بساطة وعفوية، تقاسم الأطباق بين الجيران. طبق حريرة يُرسل قبيل الأذان، أو قطع شباكية تطرق بها الأبواب، أو خبز ساخن يهدى لعائلة لم تتمكن من إعداد إفطار كامل. هذه الممارسات تعزز الروابط اليومية وتكسر عزلة البيوت المغلقة. في أحياء كثيرة، ما زال الأطفال يتكفلون بنقل الأطباق بين المنازل، فيتعلمون باكرا معنى المشاركة دون خطب أو شعارات.
غير أن بعض هذه العادات بدأ يتراجع تحت ضغط التحولات الاجتماعية. العمارات الحديثة قلصت معرفة الجار بجاره، ونمط العيش السريع قلل من الزيارات العفوية. الخوف من الإحراج أو سوء الفهم جعل بعض الأسر تتردد في إرسال الأطباق كما كان يحدث في السابق. كما أن ارتفاع تكاليف المعيشة دفع بعض العائلات إلى التركيز على تدبير شؤونها الخاصة، ما جعل التضامن يأخذ أحيانا طابعا موسميا بدل أن يكون سلوكا يوميا مستمرا.
في السنوات الأخيرة، ظهر شكل جديد من التضامن يرتبط بوسائل التواصل الاجتماعي. صور توزيع القفف، ومقاطع موائد الإفطار الجماعي، وتوثيق المبادرات الخيرية أصبحت جزءا من المشهد الرمضاني. البعض يرى في ذلك وسيلة لتشجيع الآخرين على المشاركة، فيما ينتقد آخرون ما يعتبرونه استعراضا قد يفرغ الفعل التضامني من معناه الإنساني. بين النية الحسنة والرغبة في الظهور، يتشكل نقاش صامت حول حدود العلنية في أعمال الخير.
ورغم هذه التحولات، يبقى رمضان فرصة سنوية لإعادة إحياء قيم المشاركة. قد تتغير الأشكال، لكن الجوهر يظل حاضرا كلما طرق أحدهم باب جار حاملا طبقا أو رغيف خبز إضافي. التضامن لا يقاس بحجم القفة ولا بعدد الصور المنشورة، بل بقدرة المجتمع على الشعور بالآخرين في لحظة احتياج. هكذا يظل الخبز في رمضان أكثر من غذاء يومي؛ يصبح رابطا اجتماعيا يعيد تذكير الناس بأن المشاركة هي ما يمنح الشهر معناه الأعمق






























