الغيزوري السكناوي
لكل مدينة فصولها المفضلة. هناك فصل المطر، وفصل الحر… لكن هناك فصل آخر لا تعترف به نشرات الأرصاد الجوية، موسم القُرادُ، أو “أسدجوف” كما يسمى في اللسان الأمازيغي. والقُراد كائن صغير لا يطير ولا يقفز ولا يطارد ضحاياه. يكفيه أن ينتظر بصبر فوق عشب منخفض حتى يمر جسد دافئ بالقرب منه، فيتشبث به في لحظة خاطفة ويبدأ رحلة طويلة من الامتصاص الهادئ. ولعل هذا ما يجعل حضوره مألوفاً أكثر مما ينبغي في عالم السياسة.
ففي مدينتي أيضا توجد كائنات سياسية تتقن فن التعلق أكثر مما تتقن فن العمل. لا تصل إلى المقاعد عبر الإنجاز بقدر ما تصل إليها عبر مهارة استثنائية في التشبث بها. تمر السنوات وتتغير الوجوه والشعارات والبرامج، لكنهم يظلون في أماكنهم كأن الزمن توقف عند تاريخ انتخابهم الأول. تتبدل الفصول من حولهم، بينما يبقى الكرسي بالنسبة إليهم حقا طبيعيا لا يجوز المساس به.
“أسدجوف” الحقيقي يبحث عن منطقة جلدية رقيقة ودافئة ليغرس فيها أجزاء فمه الشائكة. أما “أسدجوف” السياسة فيبحث عن مؤسسة أو مجلس أو لجنة أو أي موقع تتدفق فيه الامتيازات. وحين يعثر على المكان المناسب يبدأ عملية تثبيت دقيقة تجعل اقتلاعه أكثر صعوبة مع مرور الوقت. فالمقعد بالنسبة إليه ليس وسيلة لخدمة الناس، بل بيئة حيوية لا يستطيع العيش خارجها.
ومن خصائص القُراد أنه يفرز مادة مخدرة تجعل الضحية لا تشعر بالعضة في بدايتها. والأمر نفسه يحدث كلما اقترب موعد الاقتراع. فجأة تتكاثر الوعود وتنتشر الابتسامات وتصبح المشاريع المؤجلة قاب قوسين أو أدنى من الإنجاز. يظن المواطن أن العلاج قد وصل أخيرا، قبل أن يكتشف بعد الانتخابات أن مفعول التخدير انتهى، وأن الواقع ما زال كما هو، بل ربما أسوأ قليلا.
القُراد يتغذى على الدم، أما قراد السياسة فيتغذى على شيء آخر لا يقل أهمية. يتغذى على الوقت العام والمال العام والثقة العامة. يفعل ذلك ببطء شديد، حتى لا يثير الانتباه. فلا أحد يلاحظ النزيف اليومي الذي يصيب المدينة حين تتحول مؤسساتها إلى فضاءات للغياب بدل أن تكون فضاءات للإبداع والمحاسبة والاقتراح.
ومن غرائب الطبيعة أن القُراد أو القرادة تنتفخ كلما واصلت التغذي، حتى يتضاعف حجمها مرات عديدة. وبعض منتخبينا يعرفون الظاهرة نفسها ولكن بصيغ مختلفة. تبدأ الحكاية بشعار انتخابي متواضع، ثم تتراكم الامتيازات والعلاقات والمصالح، فيكبر النفوذ وتزداد الشهية ويصبح المنصب جزءا من الهوية الشخصية. عندها لا يعود الكرسي مجرد مسؤولية، بل يتحول إلى نمط حياة كامل.
وحين يطرح سؤال التغيير يتصرف البعض كما لو أن مغادرة المنصب كارثة وطنية. تسمعهم يتحدثون عن خبرة لا تعوض وعن حضور لا يستبدل وعن أدوار لا يمكن أن يقوم بها سواهم. والحال أن المدن في كل أنحاء العالم تتجدد بالنخب الجديدة، بينما يصر بعض “إسدجوفن” السياسة على تقديم أنفسهم كضرورة بيولوجية لاستمرار الحياة فوق الأرض.
العلماء ينصحون بعدم نزع القرادة بعنف حتى لا تترك أجزاء منها داخل الجسد. أما في الحياة العامة فالعلاج لا يكون بالصراخ ولا بالانفعال الموسمي. العلاج يبدأ حين يستعيد المواطن حقه في المحاسبة والاختيار الواعي، وحين يصبح الإنجاز معيارا للتجديد، لا القرابة ولا الولاء ولا القدرة على إعادة تدوير الوعود نفسها في كل استحقاق انتخابي.
فالمدن، مثل الأجساد، لا تنهار بسبب عضة واحدة. لكنها تضعف تدريجيا عندما تسمح للطفيليات بأن تتحول إلى جزء مألوف من المشهد. وربما لم يعد السؤال اليوم لماذا توجد “إسدجوفن” في الطبيعة، بل لماذا اعتدنا وجودها في السياسة إلى درجة أننا أصبحنا نراها جزءا عاديا من الحياة اليومية.































