الغبزوري السكناوي
لعبت النخب الاقتصادية، عبر التاريخ، أدوارا تجاوزت حدود المال والثروة، إذ لم تكن مجرد فئة تمتلك الرأسمال، بل تحولت في تجارب كثيرة إلى شريك في صناعة القرار، ومساهم في بناء المؤسسات، ومؤثر في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. لذلك، لم يكن الاهتمام بأصحاب الرأسمال ترفا فكريا، وإنما مدخلا ضروريا لفهم طبيعة المجتمعات، وكيف تشكلت موازين القوة داخلها، ومن أين جاءت النخب التي قادت تحولات الاقتصاد والسياسة معا.
وفي المغرب، لا يشكل أصحاب الرأسمال فئة واحدة، ولا تجمعهم الخلفيات الاجتماعية نفسها، كما أنهم لم يسلكوا المسارات ذاتها في بناء ثرواتهم. ولهذا ظل النقاش حول أصولهم الاجتماعية، وعلاقتهم بالحركة الوطنية أو يالإستعمار، وبالسلطة، وبالعمل الحزبي، يحظى باهتمام معتبر، على الأقل في المجال الإعلامي، لأنه يمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم علاقة المال بالسلطة، وطبيعة تشكل النخب الاقتصادية داخل المجتمع المغربي.
ولعل أكثر ما استقطب الاهتمام في هذا النقاش لم يكن حجم الثروات، بقدر ما كان يتعلق بالعلاقات الاجتماعية والقبلية التي أحاطت ببعض أصحابها، وشبكات المصاهرة والروابط العائلية التي ساهمت في إنتاج نفوذ اقتصادي متوارث في بعض جهات المملكة. غير أن هذا النقاش، على أهميته، ظل غائبا بشكل لافت في الريف، حيث يبدو الحديث عن الأصول الاجتماعية للرأسمال المحلي، ومسارات تراكمه، موضوعا يثير حساسية خاصة، بل يكاد يتحول إلى منطقة صامتة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها.
والمثير أن هذه الحساسية لا تبدو مقتصرة على الفاعلين السياسيين أو الجمعويين، بل تمتد، في كثير من الأحيان، إلى أصحاب الرأسمال أنفسهم. فمجرد العودة إلى بدايات تشكل ثرواتهم، أو محاولة مساءلة المسارات التي راكمت من خلالها بعضا من هذه الرساميل، يثير لديهم حالة من التوجس، وكأن الماضي الاقتصادي للمنطقة أصبح جزءا من ذاكرة يراد لها أن تُنسى. بل إن من يتجرأ على إثارة هذا الموضوع يواجه، في الغالب، ردود فعل يصعب فهمها أو تفسيرها، وهو ما قد يوحي بأن طرح هذا السؤال يلامس محطات مظلمة ضمن مسار تشكل هذه الرساميل. وهذه الظاهرة، في حد ذاتها، تستحق الدراسة قبل البحث في أي تفسير آخر.
وإذا تجاوزنا هذه الحساسية، فإن أول ما يلفت الانتباه هو أن ما يجمع جزءا مهما من أصحاب الرأسمال المحلي ليس أصلا اجتماعيا واحدا، بقدر ما هو نمط تاريخي متقارب في تراكم الثروة. فقد تشكلت نسبة من هذه الرساميل في سياقات انتقالية أعقبت الاستقلال، مستفيدة من الغموض الذي أحاط بجزء من العقارات التي خلفها الإسبان، وما رافق ذلك من ثغرات قانونية، كما ساهمت التجارة، خصوصا في فترات الأزمات، في إنتاج رساميل جديدة، قبل أن تلتحق بها، في مراحل لاحقة، عائدات الهجرة، إلى جانب الأموال التي ظلت تدور داخل الاقتصاد غير المهيكل، بل وحتى الاقتصاد غير المشروع.
ولذلك لم يتشكل جزء معتبر من الرأسمال المحلي داخل رأسمالية إنتاجية، قوامها الصناعة أو المبادرة الاستثمارية طويلة النفس، وإنما داخل اقتصاد يغلب عليه طابع الريع، أو الأنشطة الظرفية، أو الاقتصاد غير المهيكل. وهي الخلفية التي تفسر، في جانب منها، هشاشة هذا الرأسمال، وضعف ميله إلى الاستثمار المنتج، وانكفاءه على حماية ما راكمه أكثر من سعيه إلى توسيعه عبر مشاريع اقتصادية كبرى قادرة على صناعة التحول داخل المنطقة.
ويضاف إلى ذلك السياق السياسي الذي عاشه الريف خلال مراحل مختلفة، وما ترتب عنه من غياب مشاريع اقتصادية كبرى كان من شأنها أن تفرز برجوازية محلية. كما ساهمت سياسات الهجرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في انتقال جزء من الرساميل إلى فضاءات أكثر استقرارا وضمانا، بينما بقي الرأسمال الذي استقر بالمنطقة أسير شروط نشأته، غير قادر على التحول إلى قوة اقتصادية تمتلك استقلالية القرار أو الجرأة على لعب أدوار تتجاوز حدود النشاط المحدد له
وربما لهذا السبب، لم يتحول أصحاب الرأسمال المحلي إلى نخبة اقتصادية مؤثرة، بقدر ما ظل جزء مهم منهم يفضل الاقتراب من السلطة، أو من الأحزاب الأقرب إليها، بحثا عن حماية مفترضة أكثر من بحثهم عن الاستقلال. ولذلك ظل جزء مهم من هذا الرأسمال يعيد إنتاج البيئة الاقتصادية التي تشكل في ظلها، مستثمرا في الريع أكثر مما يستثمر في الإنتاج، وفي المحافظة على التوازنات أكثر مما يساهم في صناعة توازنات جديدة، وهو ما جعل حضوره الاقتصادي والسياسي لا يوازي حضوره المالي.
لكن، بعيدا عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذه القراءة، يبقى السؤال الذي يثير الاستغراب قائماً، لماذا لا يُطرح هذا الموضوع أصلا؟ ولماذا لم يُنظم حوله، إلى اليوم، ولو لقاء علمي واحد، أو ندوة، أو مناظرة عمومية؟ فقد ناقش الفاعلون المحليون، على امتداد السنوات، قضايا تكاد تشمل كل شيء؛ من التاريخ والجغرافيا، إلى الهوية والأمازيغية، ومن الجهوية والحكامة، إلى الديمقراطية والتنمية المستدامة، بل وحتى قضايا الملكية والعلاقات الدولية. غير أن سؤال بنية الرأسمال المحلي، وأصول تشكله، وطبيعة نخبته الاقتصادية، ظل غائبا عن هذا النقاش، وكأنه موضوع لا يستحق أن يُطرح، أو سؤال لا ينبغي الاقتراب منه.
إن التنمية ليست طرقا ومشاريع عمومية فقط، وليست كذلك مجرد شعارات سياسية. إنها، قبل كل شيء، مجتمع قادر على إنتاج نخبه في السياسة والثقافة والاقتصاد. وحين يعجز مجتمع عن مساءلة نخبه الاقتصادية، أو عن تفكيك تاريخ تشكلها، أو حتى عن طرح الأسئلة المتعلقة بها، فإنه لا يؤجل فقط نقاشا فكريا، بل يؤجل أيضا فهما ضروريا لواحد من أهم مفاتيح مستقبله.































