الغبزوري السكناوي
في مدينتي، للمراثي السياسية توقيت يثير الريبة. فبعد عقود ظل فيها غياب النخب الجامعية جزءا مألوفا من المشهد، استيقظ فجأة من يرثي صمتها، ويتساءل، بلهجة يغلب عليها الأسى، أين اختفت؟ ولماذا غابت عن النقاش العمومي؟ غير أن هذه المراثي، مهما بلغت بلاغتها، لا تروي سوى نصف الحكاية؛ فهي ترثي الغياب، لكنها تتجنب الاقتراب من الشروط التي أنتجته، ومن المنظومات التي همشت الكفاءة، وضيقت على المعرفة، وفتحت المجال، في المقابل، لأشباه المثقفين والخبراء الموسميين كي يحتلوا، في هدوء، المكان الذي كان يفترض أن تشغله النخب الحقيقية.
هذه المراثي، شأنها شأن كثير من الخطابات المحلية، لا تؤخر الأسئلة الحقيقية فحسب، بل تعيد توجيه النقاش إلى الوجهة الخاطئة. وحين ينصرف الجدل إلى محاكمة صمت النخب الجامعية أو مساءلة غيابها، تبدو القضية وكأنها مجرد موقف أخلاقي أو خيار شخصي. والحال أن موضوع النخب أعقد من هذا الاختزال؛ إذ لا يتعلق بأفراد بقدر ما يتعلق بمنظومات لإنتاج النفوذ والاعتراف والسلطة، وبالآليات التي تحدد من يصعد إلى واجهة المشهد، ومن يُترك، في صمت، خارجها.
ما تغفله هذه المراثي هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل الأسئلة، من أين جاءت باقي النخب؟ وكيف وصلت إلى مواقعها؟ ومن احتكر مفاتيح الصعود داخل هذا المجال الترابي؟ فالنخب، كيفما كانت، لا تنبت في الفراغ، ولا تتشكل بقرعة الحظ، بل تصنع داخل توازنات دقيقة، تُفتح فيها الأبواب لمسارات بعينها، وتغلق في وجه أخرى. لذلك، قبل أن نسأل لماذا صمتت هذه النخب، يجدر أن نسأل من رسم لها حدود الحركة، ومن جعل الانسجام مع قواعد اللعبة أكثر ربحا من كلفة الاعتراض.
شخصيًا، لا أزعم امتلاك عدة الباحث في علم الاجتماع السياسي، ولا أدعي الإحاطة بما راكمته الدراسات حول الشبكات الاجتماعية والعائلية وآليات إنتاج النخب وإعادة تدويرها. لكنني أعرف ما لا تورده هذه المراجع، لأن بعض الوقائع لا تحفظها الكتب بقدر ما تحفظها الذاكرة. أعرف كيف بدأت الحكاية، وكيف شقت بعض الأسماء طريقها إلى قلب المشهد من دون أن ترهق نفسها بأسئلة الكفاءة أو الاستحقاق. وأعرف، كما يعرف كثيرون من أهل مدينتي، أن بعض النفوذ لا يُبنى بل يُورث، وأن بعض الامتيازات لا تُنتزع بل تُسلّم، بل أعرف أيضا لماذا يرتفع اليوم صوت بعض البكائين، بعدما قبضوا بالأمس ثمن الصمت، أو أجر المشاركة في صناعة هذا المشهد نفسه.
لهذا يبدو الانشغال بصمت النخب الجامعية شبيهًا بمن يتأمل الدخان بينما يشيح ببصره عن الحريق. فالمشكلة، في جوهرها، ليست في صمت هذه النخب، بل حتى في هوية من يتحدثون اليوم باسمها. إن جزءا معتبرا مما يطلق عليه “النخب المحلية” لم يُنتج أصلا ليكون قوة نقد أو اقتراح، وإنما جرى تصنيعه ليملأ خانة شاغرة داخل منظومة أكبر منه. وهذه المنظومة لا تحتاج إلى عقول تربكها بالأسئلة، بقدر حاجتها إلى وجوه تمنح المشهد مظهرا من الوقار. وحين تصبح الوظيفة أهم من الفكرة، لا يعود الصمت موقفا، ولا الكلام رأيا؛ فكلاهما يؤدي الدور المرسوم له سلفا.
غير أن الصمت نفسه ليس واحدا، كما أن دوافعه ليست واحدة. ففي السياسة والاقتصاد، وحتى داخل جزء من المجتمع المدني، يبدو الصمت هو الثمن المعتاد للامتيازات، والشرط غير المعلن للاحتفاظ بالمواقع والمكاسب. أما في الجامعة وفضاء المعرفة، فالصمت حكاية مختلفة؛ إذ آثر كثير من أصحاب الكفاءة الانكفاء، بعدما أفسح المجال لأشباه المثقفين، أو لما اصطلح عليه بعض الباحثين بـ”المفكرين السريعين”؛ أولئك الذين يملكون جوابا لكل سؤال، ورأيا في كل قضية، وحضورا في كل منبر، إلا حين يتعلق الأمر بإنتاج معرفة حقيقية.
ولعل أكثر مراثي النخب الجامعية إثارة للريبة تلك التي يكتبها من لا يتذكرون الجامعة إلا في المقالات. أما حين تفتح أبواب اللجان والمهام والمناصب، فتراهم يشدون الرحال إلى أصحاب النفوذ، ولو كانوا أبعد الناس عن المعرفة، يوزعون عبارات التبجيل بسخاء، لأن الشهادة هناك لا تساوي كثيرا أمام سلطة التوقيع. لذلك لا تبدو المشكلة في غياب النخب الجامعية، بقدر ما تكمن في أولئك الذين يعلنون الحداد عليها صباحا، ثم يفاوضون على كرامتها مساءً، وكأن الرثاء نفسه تحول إلى مهنة موسمية.
لهذا، لا ينبغي أن تنصرف الأنظار إلى صمت النخب الجامعية وحده، لأن الصمت ليس سوى الأثر الظاهر للأزمة، وليس أصلها. أما السؤال الذي يستحق المتابعة فهو: كيف تشكلت النخب التي تتصدر المشهد اليوم؟ ومن منحها حق الحديث باسم المجال العام؟ فحين تفهم آليات الصعود، يغدو الصمت نتيجة لا مفاجأة، ويصبح الكلام نفسه جزءا من منظومة توزيع الأدوار، لا دليلا على الحضور، ولا برهانا على الاستحقاق. وربما عندها فقط، سنتوقف عن كتابة المراثي، ونبدأ أخيرا في تشريح أسباب الوفاة.































