الغبزوري السكناوي
قد يكون الحديث الذي انتشر مؤخرا عن عروض عمل للحرفيين المغاربة في الجزائر مجرد خبر عابر، لكنه قد يكون أيضا مناسبة لإعادة التفكير في واقع أعمق داخل القطاع. فالإغراءات المعلنة، بما تحمله من وعود وتحفيزات، لا ينبغي اختزالها في الجهة التي أصدرتها، بل تفتح سؤالا أوسع، ماذا لو تكررت من جهات أخرى؟ حينها، هل نلوم الحرفي إن اختار الرحيل؟ أم يجب أن نواجه هشاشة قائمة أصلا؟ أليس الأجدر مساءلة واقع لا يصون الكرامة المهنية، ولا يؤمن استمرارية الحرفة، ولا يطمئن على مستقبل ذاكرة حية وهوية متوارثة؟
ومن هذه الزاوية، يبدو أن المعضلة لا تتشكل من الخارج فقط بقدر ما تتراكم من الداخل، حيث يفترض بالغرف المهنية أن تكون فضاء للحماية والتمثيل، لكنها قد تنزلق أحيانا إلى منطق التوازنات الضيقة وتدبير المصالح المتقاطعة. وما يظهر من اختلالات هنا وهناك لا يمكن التعامل معه كوقائع معزولة، بل كمؤشرات على أزمة حكامة تمس الثقة في البنية التمثيلية، وتترك الحرفي في مواجهة سوق متقلب بلا سند فعلي، وكأن قدره أن يدبر هشاشته منفردا.
وفي هذا السياق، يطرح السؤال نفسه بإلحاح، ألا تتحول بعض الممارسات التدبيرية إلى عامل إضافي في تعميق الفجوة بين الخطاب الرسمي حول دعم الحرفيين، والواقع المعيشي داخل القطاع؟ فحين تتكرر وقائع مثيرة للجدل، مثل التوظيفات العائلية داخل بعض الهياكل المهنية أو السلوكات التي تطرح أكثر من علامة استفهام، فإنها لا تبقى تفاصيل هامشية، بل تتحول إلى عناصر تغذي شعورا عاما باللاعدالة وتضعف منسوب الثقة في المؤسسات الوسيطة.
فبدل أن ينخرط بعض المسؤولين في إصلاح جدي يحفظ الحقوق ويعيد بناء الثقة، تجدهم يكرسون ممارسات تمس صورة العناية الملكية بالحرفيين، وتقوض ما راكمه القطاع من إصلاحات، وهنا تحضرني واقعة “حريك” عضوة بغرفة للصناعة خلال مهمة رسمية بإسبانيا، وتوظيف رئيس نفس الغرفة لابنته كإطار في جامعة غرف الصناعة التقليدية، وهي سلوكيات تطرح سؤال الحكامة والمسؤولية داخل بعض الهياكل التمثيلية. ولا يجب أن تقرأ كممارسات معزولة، بل كمؤشرات دالة على خلل ما تعرفه بعض مؤسسات القطاع.
ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل هذا الوضع عن ضغط سوق أوسع، تتوسع فيه المنتجات الصناعية المقلدة، فتزاحم المنتوج اليدوي في عمق مجاله الطبيعي. ومع ضعف المراقبة وتراجع آليات الحماية، يجد الحرفي نفسه أمام منافسة غير متكافئة، تتآكل معها القيمة الرمزية والمادية للحرفة، ويتراجع الاعتراف بالعمل اليدوي كجزء من ذاكرة اقتصادية, وثقافية ممتدة، لا كمجرد نشاط معيشي محدود الأفق.
وفي ظل هذا التداخل بين هشاشة الداخل وضغط السوق، يصبح الحديث عن العروض الخارجية، أيا كان مصدرها، أكثر من مجرد تفصيل عابر. فهو قد يعكس إدراكا ضمنيا بأن الجاذبية الداخلية لم تعد قادرة بما يكفي على الاحتفاظ بالمهارات. وهنا يطرح السؤال بحدة، هل المشكلة في الخارج الذي يعرض، أم في الداخل الذي لم يعد يحتضن؟ وعندما تصبح الهجرة المهنية خيارا مطروحا، فإن ذلك لا يعبر عن رغبة بقدر ما يعكس اختلالا في شروط الاستقرار.
لذلك، تبدو اللحظة الراهنة أقرب إلى لحظة مساءلة جماعية، لا تقبل في الحقيقة التأجيل أو التبرير. فالحرفي ليس مجرد فاعل اقتصادي، بل حامل لذاكرة مهنية ممتدة عبر الزمن، وجزء من هوية اجتماعية وثقافية تشكلت عبر الزمن. وكل تأخير في بناء حماية اجتماعية فعلية، وتأطير مهني جاد، وتفعيل آليات مراقبة وإنصاف للسوق، لا يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين قيمة الحرفة وموقعها الفعلي داخل السياسات العمومية.
وفي النهاية، لا يمكن التعامل مع ما يطفو من أخبار كعناوين عابرة، بل كعلامات على اختلال أعمق يستدعي إعادة التفكير في المنظومة ككل. فالمسألة لا تتعلق فقط بمصير أفراد، بل بمصير قطاع يحمل جزءا من الذاكرة الاقتصادية والثقافية للبلاد. وبين ضعف الداخل وإغراءات الخارج، يتحدد مستقبل الحرفة المغربية، فإما إعادة بناء شروط الثقة والاستمرارية، أو ترك المسار مفتوحا أمام نزيف بطيء لا يعلن نفسه لكنه يغير البنية من الداخل.






























