الغبزوري السكناوي
مع دخول رمضان، بينما تزدحم الأسواق بالباعة والزبائن، تبقى كثير من النساء خلف الموقد، يشتغلن بصمت في اقتصاد غير مرئي. هذا العمل اليومي لا يقاس بالأرقام، لكنه يشكل قلب المائدة الرمضانية. من تحضير الإفطار إلى تجهيز السحور، تتحول البيوت إلى ورشات صغيرة مزدحمة بالجهد، حيث يمتزج العمل البدني بالمسؤولية الاجتماعية، وتختبر صبر النساء وطول النفس في كل يوم.
مهام النساء تبدأ قبل الفجر أحيانا، من إعداد الخبز إلى غسل الأواني وتنظيم المائدة. رغم كونها غير مدفوعة الأجر، إلا أن هذه الأعمال أساسية لاستمرار طقوس رمضان اليومية. من يراقب البيت من الخارج قد يعتقد أن العائلة مسترخية، لكن داخل المطبخ، تدور عجلة العمل بوتيرة متسارعة. الضغط النفسي والجسدي يزداد مع كل ساعة قبل الإفطار، ويظل غير مرئي رغم أهميته في الحفاظ على طقوس الشهر.
مع اقتراب المغرب، يتحول المطبخ إلى فضاء صناعي صغير. الشباكية تُقلى، الطاجين يجهز، والحريرة تطهى على نار هادئة لتكتمل اللحظة قبل الأذان مباشرة. كل شيء يجب أن يكون جاهزا في الوقت المناسب. المطبخ هنا ليس مجرد مكان للطهي، بل ورشة إنتاج متنقلة، يتداخل فيها الإبداع بالمهارة، والتخطيط مع التجربة اليومية، لضمان وصول المائدة كاملة ومتوازنة للعائلة.
في السنوات الأخيرة، أضافت وسائل التواصل الاجتماعي ضغطا جديدا على النساء. وصفات جديدة، صور لموائد رمضانية متكاملة، وعروض للأطعمة الجاهزة تخلق توقعات متزايدة، وتزيد عبء العمل. كثير منهن يشعرن بالحاجة لمنافسة الصورة المثالية، لتجنب شعور العائلة بالإحباط أو مقارنة المائدة بما ينشره الآخرون. أصبح رمضان اختبارا للصبر ولقدرة النساء على تلبية متطلبات اجتماعية جديدة، تنعكس على كل ركن في المطبخ والمنزل.
العمل في رمضان لا يتوقف عند المطبخ فقط، بل يمتد إلى كل تفاصيل البيت. التوقيت، الحرارة، صيام النهار الطويل، كلها عوامل تزيد شدة الجهد المبذول. رغم ذلك، يبقى التعب صامتا، إذ نادرا ما يشاد به. لكنه يظل حيويا لاستمرارية الطقوس الرمضانية ولتوفير شعور بالراحة والدفء للعائلة. بين حرارة الطاجين وصمت المراقبة، تتحرك النساء كنبض خفي للشهر، يمسك بإيقاع الحياة الرمضانية ويضمن استمرارها.
رمضان يكشف اقتصادا غير مرئي، يتحرك في الظل ويعتمد على عمل النساء خلف الموقد. هو اقتصاد لا يقاس بالأرقام ولا يحتفى به في الأسواق، لكنه يشكل قلب الطقوس اليومية ويعكس مسؤولية اجتماعية متجذرة في الأسرة والمجتمع. المائدة الرمضانية لن تكون مكتملة بدون هؤلاء النساء اللائي يحولن البيت العادي إلى ورشة إنتاج نابضة بالحياة، حيث يمتزج الجهد بالصبر والتعب بالصمت والمسؤولية بالحب.































