الغبزوري السكناوي
قبل أذان المغرب بساعة واحدة، يتغير إيقاع السوق بشكل واضح. ترتفع الأصوات، تتسارع الخطوات، وتشتد حركة البيع والشراء في الأزقة والدكاكين. في هذه اللحظة الفاصلة بين نهار طويل من الصوم ومائدة الإفطار، يتحول الفضاء التجاري إلى ساحة ضغط مكثف، حيث يختصر الزمن نفسه في دقائق قليلة. الجميع يتحرك بإحساس مشترك بأن الوقت يضيق، وأن أي تأخير قد يفسد ترتيب المائدة المنتظرة.
الوجوه في هذه الساعة تحمل توترا خاصا لا تخطئه العين. الجباه مشدودة، والنظرات مركزة على السلع، والكلمات مختصرة إلى أقصى حد. الزبون يسأل بسرعة، والبائع يجيب بسرعة مماثلة، لأن المساومة الطويلة لم تعد ممكنة. حتى الأطفال المرافقون لأسرهم يشعرون بجدية اللحظة، فيلتزمون الصمت أو يسرعون الخطى. إنه توتر جماعي يتجاوز الجوع والعطش، ليصبح خوفا من أن يسبق الأذان إنهاء مهمة الشراء.
مع اقتراب المغرب أكثر، يرتفع الطلب فجأة على سلع بعينها. الخبز في المقدمة، يليه التمر والحليب ومكونات الحريرة. الطوابير تمتد أمام الأفران، والباعة يعيدون ترتيب السلع بسرعة لتلبية الإقبال المتزايد. في أقل من ساعة، ينتقل السوق من حركة اعتيادية إلى ضغط مكثف يشبه حالة طوارئ يومية. كل دقيقة تمر تعني زبونا إضافيا، وكل تأخير قد يعني خسارة فرصة بيع.
هذا الارتفاع المفاجئ يفرض على الباعة حسابات دقيقة للكميات والأسعار. إن أعدّوا أقل من اللازم خسروا زبائن، وإن أعدوا أكثر من اللازم تحملوا فائضا بعد الأذان. بعضهم يرفع السعر قليلا مستفيدا من الاستعجال، وبعضهم يثبت السعر حفاظا على الثقة. إنها مفاوضات سريعة تحسم في ثوانٍ، حيث يغلب عامل الوقت على أي جدل طويل، ويصبح القرار مرتبطًا بلحظة آنية لا تحتمل التردد.
لغة الجسد في هذه اللحظات تختصر الكثير من الكلام. خطوات سريعة، أكياس تُحمل بعجلة، وإشارات يد تختزل طلبًا كاملًا دون شرح مطول. البائع يمد السلعة قبل أن ينهي الزبون جملته، والزبون يدفع النقود وهو يلتفت نحو السماء مترقبًا صوت الأذان. حتى طريقة الوقوف في الطابور تعكس استعجالا جماعيا، حيث يحاول كل فرد تقليص المسافة الزمنية بينه وبين لحظة الإفطار.
وعندما يعلو الأذان أخيرا، يتبدل المشهد في ثوانٍ قليلة. تتوقف المساومات، تُغلق بعض الطاولات بسرعة، وينصرف الناس بخطى أقل توترا. السوق الذي كان قبل دقائق في ذروة ضغطه، يعود تدريجيا إلى سكون نسبي. ينتهي سباق الدقائق الأخيرة، لكن أثره يبقى حاضرا في ذاكرة اليوم، ليُعاد إنتاجه في الغد بنفس الإيقاع والانفعال، وكأن الزمن نفسه يصوم ثم يفطر مع الناس.






























