الغبزوري السكناوي
ونحن نعيش هذه الأيام حُمى الاستعداد لتشريعيات 2026، حيث تعود الوجوه ذاتها إلى الأرصفة والشاشات، وتبعث الشعارات من قبورها الموسمية، ويعاد طلاء الخطب القديمة بألوان جديدة، يجد المرء نفسه مدفوعا إلى التأمل في ملامح أغلب السياسيين بمدينتي. تأمل يكفي وحده ليوقظ قناعة قديمة مفادها أن هذه الوجوه فقدت شيئا ما منذ زمن بعيد.
وجوه شاحبة، باهتة، كأنها خرجت من موسم قحط طويل، أو كأن السنين لم تمر عليها سيرا بل دهسا. وقد يقال إن الأمر طبيعي؛ فالعمر إذا طال ترك بصمته، والزمن لا يجامِل أحدا. لكن الحقيقة أن هناك وجوها يرفعها العمر وقارا، ووجوها تنزل بها المناصب إلى حضيض الابتذال. وما نراه هنا ليس تعب السنين، بل إنهاك الضمير من كثرة المناورات.
هي وجوه فقدت نضارتها، كما يُقال، لأنها تسهر الليالي من أجل الصالح العام، وتبيت مشغولة بقضايا الناس أكثر من النجوم سهرا. يا لها من بطولة تصلح للمسرح أكثر مما تصلح للواقع. فالسهر الحقيقي لم يكن على هموم المواطنين، بل على خرائط التحالفات، وحسابات الأصوات، ومواعيد اقتسام الغنائم المؤجلة إلى ما بعد الاقتراع.
وكنت، منذ زمن، أشعر أن هؤلاء فقدوا شيئا أثمن من إشراق الملامح، وأغلى من لون الخدود. لم أكن أدري ما هو على وجه الدقة، حتى صارت أحكام القضاء بين الفينة والأخرى تكشف المستور، وتضع مرآة قاسية أمام من اعتادوا العيش خارج انعكاس الحقيقة. عندها فقط بدا واضحا أن ما فُقد منذ زمن ليس سوى ماء الوجه.
نعم، ماء الوجه. ذلك الرصيد الرمزي الذي إذا نفد، صار الوجه مجرد قناع صالح للاستعمال الانتخابي. وفي الحقيقة القضاء لا يسلب أحدا ماء وجهه، لأن هذه الخسارة تقع قبل الوصول إلى أبواب المحاكم. كل ما يفعله أنه يرفع الستار، ويترك الملامح تواجه صورتها بلا رتوش ولا مساحيق.
لو نظر بعضهم إلى أنفسهم بصدق، لاكتشفوا أن التجاعيد ليست أخطر ما أصابهم، وأن الشحوب ليس أكبر خسائرهم، بل الكارثة الحقيقية ذلك الجفاف المعنوي الذي يجعل الوجه يتحرك بلا حياء، ويبتسم بلا خجل، ويعد الناس كأن الذاكرة العامة قد أُصيبت بعطب دائم.
ولطالما اعتبرت أغلب السياسيين بمدينتي فقراء، نعم فقراء، حتى وإن راكموا الأموال والعقارات، وركبوا أفخم السيارات، وعددوا في الزوجات، وأحاطوا أنفسهم بكل ما يلمع. الفقر الحقيقي ليس نقص المال، بل نقص المرايا. الفقير حقا هو من يملك كل شيء، ولا يملك الشجاعة لينظر إلى نفسه دقيقة واحدة.
ولهذا أرجح أن مقرات بعض الأحزاب تخلو من المرايا، أو تُعلق فيها مرايا من نوع خاص لا تعكس إلا ما يرضي أصحابها. ولو وُجدت فيها مرايا صادقة، لانصرف كثيرون عن أفعال تيبس الملامح وتبخر ما تبقى من ماء الوجه، وما لبث بعضهم في الواجهة شهرا ولا حولا.
فالناس قد تنسى برنامجا انتخابيا رديئا، وقد تتجاوز وعدا كاذبا، لكنها لا تنسى وجها أصر طويلا على إنكار الحقيقة، ثم عاد في موسم الانتخابات يطلب ثقتها من جديد.
وقديما قيل:
إذا قلَّ ماءُ الوجهِ قلَّ حياؤهُ
فلا خيرَ في وجهٍ إذا قلَّ ماؤهُ
أما نحن، فما الذي نقوله في وجوه لم يقِل ماؤها فقط، بل جفت ينابيعها، ثم خرجت إلينا تطلب التصفيق؟































