الغبزوري السكناوي
ما الذي يجعل الريف، بكل ما راكمه من تجارب وتحولات، يبدو أحيانا أقل قدرة على تجاوز ماضيه؟ أهو عجز السياسة عن بلورة أفق جديد؟ أم هو ضمور النخب وعجزها عن تقديم البدائل؟ ماذا لو كان للمأزق وجه آخر لم ننتبه إليه بالقدر الكافي؟ ماذا لو كنا، منذ البداية، نطرح السؤال من الزاوية الخطأ؟ وماذا لو تبين أن هذا المأزق لا يكمن سوى في طريقة استدعاء الماضي كلما فرض الحاضر أسئلته؟ والحال أن الماضي، في حد ذاته، لا يعطل الحاضر، وإنما يحدث ذلك حين يغدو ارتباطنا به مجرد علاقة وجدانية، يُقرأ الحاضر من داخلها، ويقاس عليها المستقبل، بدل أن يتحول الماضي إلى رصيد جماعي للفهم، ومورد لإنتاج المعرفة.
طبعا، لا أحد ينكر أن الريف يحمل ذاكرة جماعية تشكلت في سياقات تاريخية معقدة، وأن ما خلفته تلك المحطات من جراح أصبح جزءا من وعيه الجماعي. غير أن المهم هنا ليس تأكيد هذا المعطى التاريخي أو نفيه، ولا حتى استحضار مطلب حفظ الذاكرة من النسيان، فهذا ليس موضع خلاف، ولا يكاد يختلف حوله أحد. لكن ما يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا نفعل بهذه الذاكرة؟ وكيف ينبغي أن تُستدعى في الحاضر؟ وهل يمكن أن تتحول من رصيد للتعبئة إلى رصيد للفهم؟ وهل آن الأوان لأن تصبح موضوعا للبحث وإنتاج المعرفة، بدل أن تظل موضوعا للصراع حول سردية واحدة للماضي؟
وأظن أن أخطر ما يترتب على هذا المسار ليس اختزال الماضي في سردية واحدة فحسب، وإنما سعي البعض، مع مرور الوقت، إلى احتكار تفسيره. ولعل ماضي الريف، بدوره، ظل ضحية هذا النمط من التفكير، لأنه لم يسلم من الاختزال، رغم أنه يختزن تجارب متعددة لا يمكن أن تستوعبها قراءة واحدة أو تفسير واحد. خاصة وأن المنطق يفترض في الذاكرة الجماعية أن تكون مجالا للتعدد والاختلاف، وأن حصرها داخل تفسير ضيق يحد من مساحة الأسئلة، ويجعل الاختلاف مدعاة للريبة، وكأن مساءلة الفهم السائد خروج عن حقيقة مكتملة.
ولا يتوقف أثر هذه السردية عند إعادة تأويل الماضي، وإنما يمتد إلى الحاضر نفسه. فعندما تستأثر سردية ما بتقديم تاريخ هذا المجال أو ذاك، فإنها تمضي، تدريجيا، في رسم حدود النقاش العمومي، وتحديد ما يجوز طرحه وما يُدفع إلى الهامش. فلا يعود الاهتمام منصبا على ما ينبغي بناؤه، بقدر ما ينصرف إلى الدفاع عن الفهم الأحادي للماضي. بذلك تتراجع أسئلة التنمية والمعرفة والمؤسسات، فيما تتقدم معارك التأويل. ومع مرور الوقت، يكتسب هذا المنحى مزيدا من الشرعية الوهمية، ويغدو الانتقاء “مرجعا معرفيا” يُقرأ من خلاله الريف، فتتقدم أسئلة الماضي على حساب أسئلة الحاضر والمستقبل.
وربما لهذا السبب يبدو الماضي، في كثير من الأحيان، أكثر حضورا من المستقبل. فكلما فرض الحاضر أسئلته، عاد النقاش إلى ما جرى بالأمس، أكثر مما انصرف إلى ما يمكن بناؤه غدا. ولعل ذلك يفسر مفارقة لافتة؛ إذ يبدو حضور الذاكرة قويا في الخطاب والوجدان، لكنه يظل أقل أثرا في الإنتاج الفكري والممارسة العمومية. فالمشكلة ليست في الذاكرة ذاتها، ولا في استدعاء الماضي، وإنما في الكيفية التي يجري بها استثماره؛ حين يغدو أقرب إلى إنتاج المواقف منه إلى إنتاج المعرفة، وأقرب إلى إعادة تدوير الأسئلة من فتح آفاق جديدة للتفكير.
إن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس: هل هذه السردية أقرب إلى الحقيقة أم لا؟ فهذا سؤال استُهلك أكثر مما ينبغي. وإنما: ماذا أنتجت هذه السردية؟ وأين هي المعرفة التي كان يفترض أن تتولد من هذا الرصيد التاريخي؟ وأين هي الدراسات التي تجعل من ماضي الريف موضوعا للفهم، لا مجرد مادة للتعبئة؟ لقد عرف الريف، لعقود، تنافسا على تثبيت “سردية كبرى” أكثر مما عرف سعيا إلى فهم الماضي، فانشغل كثيرون بإثبات صواب هذا الطرح، بينما ظلت تجارب أخرى على الهامش، لا لأنها أقل أهمية، بل لأنها لم تجد لها مكانا داخل هذا الفهم. ولعل ذلك يفسر لماذا ظلت علاقتنا بالماضي أقرب إلى الوجدان منها إلى المعرفة.
واليوم يبقى السؤال الأهم: هل حان الوقت لأن يعيد الريف بناء علاقته بماضيه؟ فالمشكلة لم تكن، في أي لحظة، في الماضي ذاته، ولا في استدعائه، وإنما في الكيفية التي يُجرى بها استثماره داخل الحاضر. فحين يتحول الماضي إلى نهاية للنقاش، لا بدايته، يفقد قدرته على إنتاج الأسئلة الكبرى، ويغدو حضوره أثقل من أن يفتح أفقا جديدا. ذلك أن المجتمعات لا تتقدم بما تتذكره فقط، بل بما تنتجه من أسئلة جديدة حول ما تتذكره. أما حين يصبح الماضي عنوان إقامة دائمة، فإنه لا يحفظ التاريخ، بل يؤجل المستقبل.































