الغبزوري السكناوي
وسط أجواء التنافس في بطولة كأس العالم للناشئين لأقل من 12 سنة، برز طفل يركض بثقة تفوق عمره، ويحتفل بكل هدف بعفوية من يعرف قيمة ما يحققه. وبين أعلام دول مختلفة، ظل العلم المغربي حاضرا في يده ووجدانه، يرفعه بفخر بعد كل مباراة. لم يكن المشهد عابرا، فقد استوقف المتابعين لاعب صغير السن جمع بين الموهبة والانضباط، وأعلن عن نفسه بهدوء كبدر يتقدم بثبات نحو تمامه
لم يكن هذا الطفل سوى “جايلم” بنعيسى، البالغ من العمر أحد عشر عاما، والمقيم مع أسرته في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أنهى السنة الخامسة من التعليم الابتدائي ويستعد لبدء السادسة. يكبر في بيئة تشجع الاجتهاد والتعلم، ويقضي أيامه موزعة بين المدرسة وملعب كرة القدم. يلفت انتباه من يعرفه بهدوئه، وحرصه على تطوير نفسه، وإيمانه بأن النجاح يبدأ من الالتزام.
“جايلم” يحمل المغرب في تفاصيله اليومية قبل أن يحمله في المنافسات الرياضية. فوالدته تنحدر من مدينة الناظور، ووالده من إزمورن بمدينة الحسيمة، وقد حرصت الأسرة على أن يبقى ارتباط أبنائها بوطنهم حيا رغم الإقامة خارجه. نشأ وسط قيم الاحترام، والعمل، والاعتزاز بالهوية، إلى جانب شقيقه “يانيس” وشقيقته “ليليا”، في بيت يرى في الانتماء للمغرب مصدر اعتزاز لا يتغير وفي التفوق مسؤولية.
كرة القدم ليست الوحيدة التي تستأثر باهتمامه، إذ يحرص “جايلم” على تحقيق نتائج متميزة في دراسته، وشارك أكثر من مرة في “برنامج رعاية التلاميذ المتفوقين والموهوبين”. كما يبدي اهتماما خاصا بمجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ويؤمن بأن المعرفة تمنح الرياضي قدرة أكبر على التفكير واتخاذ القرار. لذلك يواصل دراسته بالجدية نفسها التي يظهرها في التدريبات اليومية، محافظا على توازن بين التحصيل الدراسي والطموح الرياضي.
علاقة “جايلم” بكرة القدم بدأت وهو في الرابعة من عمره، وسرعان ما تحولت اللعبة إلى مساحة للتعلم وبناء الشخصية. ومع مرور السنوات، وسع تجاربه الرياضية بممارسة كرة السلة، والسباحة، وألعاب القوى، وكرة القدم الأمريكية، تقديرا منه لأهمية تنمية قدراته البدنية والذهنية. هذا التنوع أكسبه مرونة وثقة، ورسخ لديه قيمة الانضباط والمثابرة والعمل الجماعي داخل الملعب وخارجه.
جاءت بطولة كأس العالم للناشئين، التي أقيمت بين 21 و26 من يوليوز 2026، لتمنحه فرصة الظهور في منافسة دولية قوية. مثّل المغرب ضمن فريق إفريقيا، وساهم في إحراز الميدالية البرونزية، قبل أن يتوج بجائزة أفضل مهاجم تقديرا للمستوى الذي قدمه طوال البطولة. وبهذا الإنجاز استحق احترام المدربين والمتابعين خاصة بروحه الرياضية، وأدائه الجماعي، وتمسكه بحمل العلم المغربي في مختلف محطات المنافسة.
ما يزال “جايلم” في بداية الطريق، غير أن خطواته الأولى تكشف ملامح مشروع رياضي يتأسس على الاجتهاد والانضباط، أكثر مما يقوم على الموهبة وحدها. يواصل تدريباته استعدادا للاستحقاقات المقبلة، محتفظا بحلم واضح يتمثل في ارتداء قميص المنتخب الوطني المغربي والدفاع عن ألوانه في أكبر المنافسات. وبين الدراسة والرياضة، يرسم جيلام صورة طفل يؤمن بأن الأحلام تكبر كلما رافقها العمل، وأن النجاح رحلة تبدأ بخطوة وتتواصل بالإصرار.































