مع اقتراب موعد الاقتراع في 23 شتنبر، يواصل الدكتور محمد الأعرج، القيادي في حزب الحركة الشعبية والباحث الجامعي في القانون الإداري، تحركاته الميدانية ضمن الحملة الانتخابية لتشريعيات 2026، وسط حضور لافت في عدد من الجماعات القروية التابعة لدائرتي كتامة وتارجيست. وتكشف جولاته الأخيرة عن تعبئة شعبية واضحة حول ترشحه، في وقت يتقدم فيه السباق الانتخابي نحو أيامه الحاسمة، مستفيدا من مسار سياسي وبرلماني وأكاديمي جعل اسمه حاضرا في المنطقة وخارجها.
ولا يبدو حضور الأعرج في الجبل وليد الحملة الحالية وحدها. فمنذ سنوات، ظل الرجل يحافظ على صلة مباشرة بالمجال الذي ينتمي إليه، حتى حين اتسعت دائرة مسؤولياته بين الجامعة والبرلمان والحكومة. وبين الرباط وفاس، حيث قادته مهامه السياسية والأكاديمية، بقيت عودته إلى المنطقة جزءا من مساره، حاضرا في مناسبات السكان وأفراحهم و انشغالاتهم، بما أبقى العلاقة مع الساكنة قائمة خارج إيقاع الانتخابات ومواسمها.
ويقول متتبعون لمساره إن هذه الاستمرارية تفسر جانباً من الاستقبال الذي يلقاه الأعرج خلال جولاته الحالية، خصوصا في الجماعات القروية التي تعرف كثافة سكانية مهمة. فالرجل لا يدخل هذه المناطق من موقع مرشح يكتشفها للمرة الأولى، وإنما يعود إلى فضاء راكم فيه حضورا ومعرفة بالساكنة وبظروف عيشها. ومن هنا، تبدو الحملة بالنسبة إليه امتدادا لعلاقة أقدم من الملصقات الانتخابية والخطابات التي تملأ فضاء الدائرة في هذه الأيام.
وتتخذ هذه العلاقة بعدا أكثر وضوحا حين يتعلق الأمر بسكان الجبل، حيث ظل الأعرج قريبا من تفاصيل الحياة المحلية رغم انتقاله إلى مواقع مؤسساتية بعيدة عن المجال القروي. فقد تولى مهام برلمانية، ثم حمل حقيبة وزارة الثقافة والاتصال في حكومة سعد الدين العثماني، كما واصل مساره الجامعي، دون أن يقود اتساع دائرة مسؤولياته إلى قطع الصلة بالمجال الذي جاء منه. ويرى ملاحظون أن هذه الاستمرارية ساعدت في بناء صورة سياسي لم يبحث عن الابتعاد عن السكان بعد الوصول إلى المؤسسات.
وفي خطاب الحملة، يلفت الانتباه أيضا ابتعاد الأعرج عن الوعود الانتخابية الثقيلة، مقابل حضور لغة الترافع والعمل المؤسساتي وما يمكن تحقيقه ضمن الإمكانات المتاحة. ويقول ملاحظون إن الرجل لا يميل إلى رفع سقف انتظارات الساكنة بمشاريع يصعب تحديد مآلها، وإنما يفضل تقديم نفسه من خلال منطق الممكن، مستفيدا من تجربة برلمانية وحكومية ومن خلفية سياسية وقانونية تجعله أكثر ميلا إلى الحديث عن المؤسسات والاختصاصات ومسارات القرار.
وتحضر هذه الخلفية بوضوح في ملف مناطق “الكيف”، الذي ظل لسنوات واحدا من أكثر الملفات التصاقا بجبال صنهاجة وساكنتها. فقد كان الأعرج من بين الفاعلين السياسيين الذين رافقوا النقاش المؤسساتي حول هذا الملف، ونقلوا انشغالات المناطق المعنية إلى دوائر القرار، في سياق انتهى إلى اعتماد إطار قانوني للاستعمالات المشروعة للقنب الهندي. ويشير متتبعون إلى أن حضور الرجل في هذا الملف ساهم في ترسيخ صورة سياسي يشتغل من داخل المؤسسات، ويؤدي دور الوساطة بين مطالب السكان ومسارات الدولة، دون اختزال التحول الذي عرفه الملف في شخص واحد أو في تجربة سياسية منفردة.
وفي خلفية هذا المسار السياسي، يقف تكوين أكاديمي جعل القانون الإداري أحد أبرز عناوين تجربة الأعرج. فقد حصل على دكتوراه الدولة في الحقوق من جامعة محمد الخامس بالرباط، واشتغل أستاذا للتعليم العالي بالجامعات المغربية، كما ارتبط اسمه بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، حيث تولى مهام أكاديمية وبحثية، من بينها إدارة مختبر للأبحاث والدراسات الإدارية وتنسيق ماستر قانون المنازعات العمومية. وراكم، بالتوازي مع التدريس والتأطير، مؤلفات وأبحاثا في القانون الإداري والقانون العام.
وهكذا يلتقي في مسار الأعرج أكثر من موقع: الباحث الجامعي، والبرلماني، والوزير السابق، والسياسي الذي ظل يحتفظ بصلته بالمجال القروي والجبلي. وهذه المزاوجة هي التي تمنح لحضوره الانتخابي الحالي خصوصية، إذ لا يظهر في الحملة منفصلا عن مساره السابق، ولا باعتباره وجها طارئا على الدائرة. وفي الأيام الأخيرة قبل الاقتراع، يعود الرجل إلى الجماعات والقرى التي ظل يحافظ على صلته بها، في محاولة لترجمة رصيد سنوات من العمل السياسي والميداني إلى حضور انتخابي داخل صناديق 23 شتنبر.
أما الصورة التي صنعتها الحملة في أيامها الأخيرة عن هذا القيادي الحركي، فتتجاوز لغة المهرجانات العابرة أو الحضور الطارئ إلى اختبار علاقة اجتماعية، إنسانية وسياسية امتدت لسنوات بين رجل اختار العمل داخل المؤسسات، وساكنة ظلت ترى فيه واحدا من أبنائها المنخرطين في الترافع عن قضاياها بحس وطني مسؤول بعيدا عن الشعبوية والإثارة المجانية.































