في محاولة لفهم خلفيات إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو”، وتفاعلا مع النقاش الدائر حول هذا التطور، اعتبر الدكتور محمد بنيوسف أن القرار يستدعي قراءة خلفياته السياسية والدبلوماسية واستشراف انعكاساته على مستقبل القضية. واستعاد الكاتب في مقال له محطات من تاريخ البعثة والمقترحات التي تناولت مستقبلها، متوقفا عند الرهانات السياسية والأمنية التي يثيرها إنهاء مهمتها، وانعكاس ذلك على موقع المغرب ومآلات القضية في المرحلة المقبلة، على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي استعادته لهذه الخلفية، أشار بنيوسف إلى أن الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي عرض سنة 1994 ثلاثة خيارات للتعامل مع الخلاف حول تحديد هوية المشاركين في الاستفتاء، كان من بينها الإنهاء التدريجي لمهمة المينورسو في حال استمرار التعثر. كما عاد سنة 1995 إلى اقتراح سحب البعثة إذا لم يتوصل طرفا النزاع إلى تفاهم بشأن إجراءات استفتاء تقرير المصير في غضون عام، قبل أن يتراجع عن هذا الخيار، خشية انعكاساته على السلم الإقليمي.
وتوقف الباحث عند تعيين كوفي عنان “جيمس بيكر”، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، مبعوثا شخصيا للأمين العام للأمم المتحدة في 13 مارس 1997، بالنظر إلى ما كان يتوفر عليه من خبرة ونفوذ سياسي. وأوضح أن محاولات “بيكر” لم تنجح في تحقيق تقدم بشأن تحديد الهوية وتنظيم الاستفتاء، كما لم تفض مقترحاته السياسية، التي اتخذت منذ سنة 2001 صيغا مختلفة للحكم الذاتي، إلى تسوية للنزاع، وهو ما دفعه إلى عرض خيارات أخرى على الأمم المتحدة سنة 2002.
وفي هذا السياق، ذكر بنيوسف أن الخيارات الأربعة التي قدمها “بيكر” شملت تنظيم الاستفتاء دون اتفاق إطار، ومنح الصحراويين حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية، وتقسيم الصحراء بين المغرب والبوليساريو، ثم انسحاب الأمم المتحدة والمراقبين الدوليين وترك النزاع لحاله. واعتبر أن هذا الخيار الأخير يكتسب دلالة خاصة في ضوء التطورات الحالية، مرجحا أن تكون الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن قد اتجهت نحو إنهاء مهمة البعثة، بعد ما اعتبره بلوغ الملف أقصى ما أتاحته جهود الأمم المتحدة.
واستند الدكتور بنيوسف في قراءته لهذا الاحتمال إلى معطيات دبلوماسية سبقت اعتماد القرار 2797، من بينها إبلاغ المغرب بالفيتو الروسي قبل انعقاد جلسة مجلس الأمن، وفق ما أورده وزير الخارجية ناصر بوريطة في تصريح للقناة الثانية، إلى جانب نشر بلاغ الديوان الملكي بعد إطلاع الولايات المتحدة الأمريكية عليه. ورأى بنيوسف أن تزامن هذه المعطيات يعكس تحركات مغربية محسوبة في علاقتها بالقوى الكبرى، مستنتجا أن التوافق في الاتجاهين قد يعني وجود تفاهم بشأن الموضوع، ما لم تظهر مؤشرات تناقض هذه الفرضية.
وعلى المستوى الميداني، ربط الدكتور بنيوسف إنهاء مهمة “المينورسو” بانتهاء مرحلة امتدت 35 سنة منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 690 في 19 أبريل 1991، الذي أرسى وقف إطلاق النار وأنشأ البعثة الأممية. وأوضح أن وجود القبعات الزرق، من عسكريين ومراقبين ينتمون إلى 35 دولة، ارتبط بمراقبة الأنشطة العسكرية ومواكبة المسار السياسي، محذرا من أن مغادرتهم قد توسع هامش التحرك والتأويل في المنطقة، وتجعل احتمال العودة إلى لغة السلاح قائما، بما يستدعي استعداد المغرب لهذا الاحتمال.
وفي مقابل هذا التخوف، أشار بنيوسف إلى أن إنهاء مهمة البعثة قد يفتح المجال أمام البحث عن آليات بديلة تحول دون العودة إلى الوضع الذي سبق قرار وقف إطلاق النار، مستحضرا إمكانية إبرام معاهدة أو إحداث قوة دولية تتولى أدوارا في هذا المجال. وربط هذه الإمكانات بما ورد في بلاغ الديوان الملكي بشأن استكشاف آليات ثنائية وإقليمية بديلة عن مجلس الأمن، معتبرا أن التحدي يتمثل في إيجاد صيغة تضمن احتواء التوتر وتحول دون استئناف المواجهة المسلحة.
وبخصوص موقع المغرب في السياق الجديد، اعتبر بنيوسف أن سرعة صدور بلاغ الديوان الملكي تعكس، في تقديره، متابعة دقيقة للتطورات ومعرفة مسبقة بمسار التصويت، بما في ذلك الموقف الروسي ومعطيات دبلوماسية أخرى تظل ضمن أسرار الدولة. كما قرأ في مضمون البلاغ مؤشرا على أن المغرب كان يتوقع هذا الوضع ويفضله، واصفا القرار 2797 بالمكسب للموقف المغربي، على أساس ما فهمه من مضمونه بشأن تقرير المصير الداخلي واعتبار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية حلا واقعيا للنزاع.
ويرى الباحث أن المعطيات الجديدة تضع المغرب أمام سياق مغاير في علاقته بالبوليساريو، مستبعدا تقديم تنازلات تتجاوز مقترح الحكم الذاتي، ومعتبرا أن استمرار تدبير الملف داخل مجلس الأمن بالوتيرة السابقة لم يعد منسجما مع التحولات الجارية. ولفت إلى أن القوى الكبرى باتت، وفق قراءته، تقر بجدية المقترح المغربي وواقعيته، ما يجعل إخراج القضية من حساباتها الاستراتيجية أحد المسارات التي ينبغي العمل عليها، مع إسناد دور محوري للولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب.
وفي ربطه بين هذه الخلاصات ومسار المقترحات الأممية السابقة، أبرز بنيوسف أن الحكم الذاتي كان واحدا من الخيارات التي عرضها “جيمس بيكر”، قبل أن يلفت إلى المفارقة المتمثلة في أن انسحاب الأمم المتحدة والمراقبين الدوليين كان بدوره خياره الرابع والأخير قبل استقالته سنة 2004. واعتبر أن الولايات المتحدة ستتحرك في المرحلة المقبلة ضمن شبكة مصالح متبادلة مع روسيا وفرنسا وبريطانيا والصين، مشيرا إلى أن حسابات المصالح أصبحت محددا أساسيا للعلاقات الدولية في هذه المرحلة.































