خوان كارلوس سانز — صحيفة “إل باييس”
ترجمة: محمد موحا.
بعد عشر سنوات من اندلاع حراك الريف، الذي يُعدّ أكبر انتفاضة للمطالب الاجتماعية خلال عهد الملك محمد السادس، لا تزال هذه المنطقة الواقعة شمال المغرب تعيش في ظل النسيان، وسط ضعف الاستثمارات التي تضخها الدولة المركزية، وفي سياق يتسم بهجرة عشرات الآلاف من سكانها.
لقد جرى قمع الاحتجاجات الجماهيرية التي تتابعت بين عامي 2016 و2017، من خلال تعبئة واسعة النطاق لقوات الأمن، أسفرت عن اعتقال نحو خمسمائة شخص. ولا يزال ستة من قادة الحراك خلف القضبان، يقضون أحكاماً طويلة بالسجن.
وكما حدث في الواقعة المأساوية التي أشعلت شرارة الربيع العربي في تونس أواخر عام 2010، اندلعت انتفاضة الريف أيضاً عقب مصادرة السلطات، بصورة تعسفية، سلع أحد الباعة الشباب.
ففي 28 أكتوبر 2016، فجّرت وفاة بائع السمك محسن فكري، وسط مدينة الحسيمة، الواقعة على بُعد 460 كيلومتراً شمال شرقي الرباط، موجة من الاحتجاجات في المنطقة الشمالية. وقد لقي الشاب فكري مصرعه سحقاً داخل شاحنة لجمع النفايات، بينما كان يحاول استعادة الأسماك التي صادرتها السلطات منه.
يقول الناشط اليساري محمد موحا: “في ظل التهميش الذي نعاني منه، لا يزال التوتر الاجتماعي في الحسيمة شديداً، وهو توتر تطبعه الثقافة الهوياتية للريف.”
ويضيف هذا الموظف البالغ من العمر ستين عاماً، في اتصال هاتفي من عاصمة الإقليم: “في أي احتجاج اجتماعي، تظهر إشارات إلى الهوية الأمازيغية لشمال المغرب، وعلى الرغم من القمع، تظل الرموز الريفية حاضرة.”
ويشير موحا إلى أن المنطقة شهدت، قبل اندلاع احتجاجات عام 2016، تحركات اجتماعية وسياسية أعقبت الانتخابات التشريعية، في ظل مناخ سابق من عدم الاستقرار الاجتماعي، نتيجة التأخر الاقتصادي المتراكم منذ إنهاء الاستعمار الإسباني سنة 1956.
جراح تاريخية لم تندمل
منذ الإنزال العسكري الإسباني الفرنسي بالحسيمة سنة 1925، لا يزال الريف يحمل جراح القصف بغاز الخردل الذي شنّه الطيران الإسباني لسحق الانتفاضة الوطنية التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي، والذي أعلن استقلال المنطقة خلال الفترة الممتدة بين عامي 1921 و1926.
كما لا تزال الذاكرة الجماعية تحتفظ بذكرى الانتفاضة ضد السلطة المركزية في الرباط، التي اندلعت عقب الاستقلال قبل سبعين عاماً، وقمعتها القوات التي كان يقودها ولي العهد آنذاك، الحسن. وقد أسفرت تلك الأحداث عن سقوط أكثر من ألفي قتيل.
ولا تزال حاضرة أيضاً ذكرى «انتفاضة الخبز» سنة 1984، في عهد الحسن الثاني، التي جرى إخمادها بالقمع المسلح في المنطقة.
وفي ظل هذه الخلفية التاريخية والاجتماعية، ظهر حراك الريف قبل عشر سنوات بوصفه انفجاراً اجتماعياً في مواجهة النسيان والتهميش.
تقول أنخيلا سواريث كويّادو، أستاذة بجامعة سالامانكا الإسبانية والباحثة المتخصصة في منطقة الريف، في تبادل للرسائل:
“لقد اختفى حراك الريف بوصفه حركة احتجاجية منظمة، لكن إرثه السياسي والاجتماعي لا يزال قائماً، ويتجلى في استمرار المطالب التي أدت إلى ظهوره، وكذلك في الآثار التي خلّفها القمع وسجن أبرز قادته داخل المجتمع المدني الريفي، الذي ظل صامتاً طوال هذه السنوات.”
وترى الباحثة أن الاحتجاج تجاوز كونه مجرد تحرك للمطالبة بتحسين الخدمات العمومية أو بتوفير فرص اقتصادية أكبر، إذ نجح في جمع قطاعات من السكان كانت تقليدياً بعيدة عن المشاركة السياسية
وتوضح قائلة:
“لقد كان الحراك تعبيراً عن شعور عميق ومتجذر بالتهميش الترابي، وعن انعدام الثقة في مؤسسات الدولة، وهو شعور يعود إلى لحظة استقلال المغرب نفسه”
وعلى الرغم من تنفيذ استثمارات في البنية التحتية والتجهيزات والخدمات العمومية بالمنطقة، فإن مشكلات بنيوية لا تزال قائمة، من بينها نقص فرص العمل، والتفاوتات المجالية، والاعتماد الاقتصادي على الهجرة.
ناصر الزفزافي: عشرون عاماً من السجن
حُكم على أبرز قادة حراك الريف، ناصر الزفزافي، البالغ من العمر 46 عاماً، بالسجن لمدة عشرين سنة، بتهمة المساس بالأمن الداخلي للدولة، إلى جانب ثلاثة معتقلين آخرين. أما بقية المعتقلين، فقد صدرت في حقهم أحكام تراوحت بين ثلاث سنوات وخمس عشرة سنة سجناً.
وعقب صدور الأحكام، أكدت منظمة العفو الدولية أن تحركاتهم كانت سلمية في جوهرها، وأنهم كانوا يطالبون بالخدمات العمومية والطرق والمصانع والمستشفيات التي تتوفر على خدمات متخصصة في علاج أمراض السرطان.
وقبل وفاته بقليل، عن عمر ناهز 82 عاماً، استعاد أحمد الزفزافي، والد قائد الحراك والمتحدث باسم أسرته، ذكرى ابنه المعتقل، وذلك في الحسيمة خلال أغسطس 2025.
كان أحمد الزفزافي يعاني من ورم أصبح بالإمكان علاج جزء من حالته في المستشفى الإقليمي الجديد، الذي شُيّد بعد الاحتجاجات، دون الحاجة إلى السفر إلى طنجة، التي تبعد أكثر من أربع ساعات بالسيارة.
لكنه توفي دون أن يتمكن من رؤية ابنه حراً.
وقال وهو طريح الفراش: لم أطلب العفو، لأن ابني لم يعترف قط بذنبه.”
ولم يتمكن من رؤية ابنه للمرة الأخيرة إلا قبل وفاته بشهرين، حين سُمح لناصر بالخروج من السجن في زيارة استثنائية، مكبّل اليدين ومحاطاً بعشرات العناصر الأمنية.
العفو الملكي
تحلل الأستاذة “سواريث كويّادو” الوضع قائلة:
“أُفرج عن عدد كبير من معتقلي حراك الريف بموجب عفو ملكي خلال السنوات الأخيرة. ولا يمكن استبعاد إمكانية صدور عفو ملكي عن بقية المعتقلين، خصوصاً أن المؤسسة الملكية المغربية سبق أن لجأت إلى هذه الآلية لتدبير حالات التوتر السياسي والاجتماعي.”
وتضيف:
“إن استمرار سجن الزفزافي بعد مرور عشر سنوات يُظهر أن الدولة لا تزال تعتبر هذا الملف حساساً من الناحية السياسية.”
وفي نهاية المطاف، تمكن ناصر الزفزافي من الوقوف أمام قبر والده، بعد حصوله على ترخيص من إدارة السجن لحضور جنازته في الحسيمة، حيث استُقبل بأحضان مئات من أفراد العائلة والجيران، من دون أصفاد، وبحراسة أمنية محدودة للغاية.
وأمام حشد من أبناء الريف، وفي خضم الحزن العائلي، قال الزفزافي:”إن مصلحة الوطن تعلو على كل اعتبار، ويجب أن تخدم الاختلافات في الرأي دائماً المصلحة الوطنية”.
وعلى الرغم من هذه الرسالة التصالحية الموجهة إلى الدولة، لم يشمل العفو الملكي قائد حراك الريف ضمن آخر قرارات العفو التي أصدرها الملك محمد السادس.
وهكذا، لا يزال المغرب، بعد مرور عشر سنوات، عاجزاً عن طي صفحة انتفاضة الريف.
“لا يزال الريفيون يريدون الإمساك بزمام مصيرهم”
يقول محمد موحىا، عضو حركة الحكم الذاتي للريف: “لا يزال الريفيون يريدون الإمساك بزمام مصيرهم.” ويضيف: “إن نموذج اللامركزية لم ينعكس على الريف، الذي دخل خلال السنوات العشر الأخيرة مرحلة تراجع على جميع المستويات”.
ويرى موحا أن خطة «الحكم الذاتي الحقيقي» للصحراء الغربية، التي أقرها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قبل عام، ومشروع توسيع الحكم الذاتي الذي يعرضه المغرب على الصحراويين، ينبغي أن يسيرا بالتوازي مع ما يسميه «حكماً ذاتياً هوياتياً للريف»، باعتباره قضية معلقة منذ أكثر من قرن.
وكان المغرب قد أجرى سنة 2011 إصلاحاً لنظام إدارته الترابية، غير أن نموذج «الجهوية المتقدمة» المعمول به حالياً يتركز فيه توزيع الاختصاصات والموارد لدى المؤسسات المركزية.
أما الأحزاب السياسية الجهوية، التي يمثل إحداثها أحد المطالب التي تتبناها قطاعات من المجتمع المدني الريفي، فلا تزال محظورة.
وتقدّر الباحثة الإسبانية المذكورة، صاحبة أطروحة الدكتوراه المعنونة “الحركة الأمازيغية في الريف: الهوية والثقافة والسياسة”، أن:
“الاهتمام بتعميق اللامركزية في السلطة لم يكن قائماً حتى الآن، ولذلك لا يبدو أن المقترح المغربي المتعلق بالصحراء سيمتد إلى مناطق أخرى”.
عقد من الحراك وآلاف الشباب المهاجرين
بعد مرور عقد على اندلاع الانتفاضة، هاجر آلاف الشباب من الريف نحو طنجة أو تطوان، أو باتجاه أوروبا.
أما محمد مجاوي، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالحسيمة، فقد قضى أكثر من ثلاث سنوات في السجن عقب الاحتجاجات الاجتماعية الواسعة التي شهدتها المنطقة خلال حراك الريف.
وقال هذا المعلم في التعليم الابتدائي لصحيفة إل باييس: “لم تفعل الدولة شيئاً تقريباً من أجل الريف. فالطرق تعود إلى القرن التاسع عشر؛ إذ يستغرق قطع مسافة 230 كيلومتراً تفصل بين تطوان والحسيمة ما يقارب أربع ساعات، ثم نحتاج إلى ساعتين إضافيتين للوصول إلى الناظور، التي تبعد نحو مئة كيلومتر”.
وأضاف: “إننا لا نعرف تاريخنا. لقد فُرضت علينا رواية صادرة عن السلطة، على الرغم من الإصلاح الدستوري الذي تمت المصادقة عليه سنة 2011”.
وفي خضم هذا النسيان، دعت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى تنظيم وقفة احتجاجية، يوم الأربعاء، أمام مقرها في الحسيمة، لإحياء ذكرى مرور عشر سنوات على اندلاع أطول موجة احتجاج اجتماعي شهدها المغرب منذ بداية القرن الحالي.































