توطئة
يتتبع هذا المقال مسار الفنان البصري المغربي سعيد تيريزت منذ مراحل تكوينه الأكاديمي، مروراً بتجربته الرائدة في مجال القصة المصورة ومشاركاته المعرضية، وانفتاحه لاحقاً على صناعة ألعاب الفيديو ثلاثية الأبعاد وعوالم الإنتاج السينمائي والإشهاري. ويتوقف أيضاً عند اهتمامه المتزايد بتوظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الممارسات البصرية والسردية، وعند انخراطه في مبادرات تربط بين الإبداع والتكنولوجيا والتربية. ويتضح من خلال هذه الرحلة تحول عميق في وسائط التعبير الفني، يبقى فيه السرد العمود الفقري للرؤية الإبداعية للفنان.
مقدمة
شهد المشهد الفني المعاصر، في العقدين الأخيرين، تحولاً متسارعاً بفعل التطور الرقمي وتنوع الوسائط التفاعلية، فاتحاً للفنانين آفاقاً جديدة بين التخصصات. وفي قلب هذا التحول، تقف تجربة سعيد تيريزت كنموذج حي لممارسة فنية تنتقل بسلاسة بين الرسم التشكيلي وكتابة القصة المصورة وتقنيات الصورة ثلاثية الأبعاد، وصولاً إلى استكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي في الإنتاج البصري والسينمائي.
- التكوين الأكاديمي: بناء القواعد وتبلور الاهتمام السردي
وُلد سعيد تيريزت في 12 فبراير 1976 بتمسمان. وحصل على البكالوريا شعبة الفنون التشكيلية سنة 1997، قبل أن يلتحق بالمعهد الوطني للفنون الجميلة، حيث درس بين سنتي 1999 و2003 متخصصاً في فن الأشرطة المرسومة. نال دبلوم السلك الأول سنة 2001، ثم دبلوم السلك الثاني سنة 2003، وأكمل تكوينه بالمركز الجهوي لتكوين الأساتذة تخصص الفنون التطبيقية خلال الموسم 2012–2013.
وفي سنة 2001، كان من بين ثمانية طلبة مغاربة يختارون من الفوج الأول المتخصص في القصة المصورة، ضمن مشروع لإحداث قسم متخصص في هذا الفن بمبادرة من وزارة الثقافة ومكتب والوني (Bureau Wallonie) بالرباط. وتعكس هذه المحطة انخراطه المبكر في الجهود الرامية إلى ترسيخ هذا المجال الفني في المغرب.
- القصة المصورة: ورشات ولقاءات وبناء أدوات الحكي
احتلت القصة المصورة الصدارة في المرحلة الأولى من مسار تيريزت. ففي مارس 2001، شارك في ورشة سيناريو أشرف عليها كاتب السناريو البلجيكي ستيفن ديسبرغ (Stephen Desberg) بالمعهد الوطني للفنون الجميلة. وفي أبريل من ذات السنة، شارك في المعرض الجهوي للكتاب بتطوان، واستفاد من لقاء تكويني مع الفنان أندريه غيرتس (André Geerts) بمكتبة الوسائط التابعة للمعهد الفرنسي بالدار البيضاء، قبل أن يخاض في مايو ورشة مع الفنان إريك لامبي (Éric Lambé).
وعاد سنة 2002 لورشة ثانية مع ستيفن ديسبرغ في أبريل (Stephen Desberg) بالمعهد، ثم ورشة أخرى مع جان-فيليب ستاسن (Jean-Philippe Stassen) في مايو. وكانت هذه اللقاءات فرصة للاحتكاك بخبرات متخصصة في السيناريو والرسم، وعمقت عنده إدراك العلاقة بين النص والصورة، وصقلت أدواته في بناء الشخصيات وتنظيم المشهد وتتابع الحدث.
إلى جانب التكوين، ساهم في يونيو 2001 في إعداد قصص مصورة للعدد الأول من مجلة «شوف» (Chouf)، الذي تشير المعطيات المتوفرة في سيرته إلى صدوره في مارس 2002 التي يصدرها المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان. وأنجز أيضاً جدارية قصة مصورة بالمعهد الفرنسي بتطوان حول مكافحة التلوث، كاشفاً عن رغبته في توظيف الصورة لمعالجة قضايا بيئية، وعن اهتمامه بالبعد التحسيسي والتواصلي للفن السردي.
- المعارض: توسيع دائرة الحضور والتبادل
رافقت المشاركات المعرضية تطور تجربته في القصة المصورة، وفتحت له فضاءات للعرض والتفاعل. ففي أكتوبر ونوفمبر 2001، شارك في معرض جماعي لصفحات القصة المصورة بقصبة الأوداية بالرباط.
وفي أبريل 2002، عرضت أعمال مرتبطة بمجلة «شوف» بأكاديمية الفنون الجميلة بتورناي (Tournai) البلجيكية. وفي يونيو من السنة نفسها، شارك في معرض جماعي للقصة المصورة ضمن معرض كتاب الطفل والشباب بالدار البيضاء، إلى جانب جلسات توقيع للمجلة.
اكتسبت هذه المحاضرات قيمتها من تنوع سياقاتها الثقافية، ومن دورها في توسيع نطاق التعريف بالقصة المصورة كوسيط إبداعي يجمع بين الكتابة والرسم والتواصل البصري. كما تجلت من خلالها انفتاح تجربته على فضاءات العرض والتبادل داخل المغرب وخارجه.
- ألعاب الفيديو: بوابة نحو الوسائط التفاعلية والعوالم ثلاثية الأبعاد
في سنة 2007، انتقل تيريزت إلى تجربة مهنية لدى شركة يوبيسوفت (Ubisoft) في صناعة ألعاب الفيديو، بعد اجتيازه بنجاح الاختبارات الكتابية والتطبيقية والشفوية. وكانت هذه المحطة نقطة الانطلاق نحو عالم الإنتاج الرقمي، الذي يتطلب توازناً دقيقاً بين الكفاءة الفنية والمعرفة التقنية.
يرتبط هذا الانتقال باهتمامه السابق ببناء الشخصيات والمشاهد والسرد، لكنه أتاح له الاقتراب من طبيعة الوسائط التفاعلية والعوالم الافتراضية. ففي ألعاب الفيديو، لا تكتفي الصورة بعرض مشهد ثابت، بل تصبح فضاءً مفتوحاً على الحركة والتفاعل، مما يوسع إمكانات التصميم والتصور الفني.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة هذه التجربة كامتداد طبيعي لتكوينه في الفنون البصرية، وكمرحلة انتقالية في مسار اتجه تدريجياً نحو استكشاف تقنيات الصورة الرقمية وتطبيقاتها المتعددة.
- الإخراج السينمائي والإشهاري: الذكاء الاصطناعي كفضاء تجريب
مع نضوج ممارسته، وسع تيريزت دائرة اشتغاله ليشمل الإخراج السينمائي ثلاثي الأبعاد والإنتاج الإشهاري، مع اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي في تصور المشاهد والشخصيات والفضاءات البصرية. ويعكس هذا التوجه إرادة واضحة في استثمار التقنيات الرقمية لتطوير طرائق إنتاج الصورة، وربط الرؤية الفنية بالإمكانات التقنية.
تقوم هذه الممارسة على مزج مهارات الرسم والتصميم والسرد البصري بأدوات المعالجة الرقمية، مع عناية خاصة بالتكوين والإضاءة والألوان والحركة وبناء الأجواء السينمائية. ويندرج في نفس الإطار إخراج وإنتاج الوصلات الإشهارية.
وفي هذا السياق،إشتغل مصمماً للهوية البصرية لمهرجان ثويزا الذي تنظمه مؤسسة تويزا للثقافة الأمازيغية بطنجة. وأنجز «الموشن ديزاين» للفيلم التذكاري بمناسبة مرور عشرين سنة على تأسيس المهرجان نفسه، وابتكر العناصر البصرية بتقنية «الموشن غرافيك» لدورته العشرين (23–26 يوليوز 2026 )، مساهماً في إبراز هويته البصرية وتعزيز تواصله السمعي البصري. وأنتج الوصلة الترويجية للمهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة بالناظور — الدورة 15، المزمع تنظيمها من 12 إلى 16 نونبر 2026.
لم يعد الذكاء الاصطناعي، في ممارسته، مجرد أداة مساعدة، بل أصبح مجالاً جديداً للتجريب وتطوير التصورات البصرية واستكشاف إمكانات إنتاج المشهد السينمائي.
- الإقامة الفنية «الفنون التشكيلية والذكاء الاصطناعي»
امتداداً لاهتمامه بالتلاقي بين الفن والتكنولوجيا، شارك تيريزت في الإقامة الفنية «الفنون التشكيلية والذكاء الاصطناعي»، التي نظمها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (IRCAM) بمقره بالرباط من 7 إلى 11 يوليو 2025، تحت إشراف الفنانة أمل حدوش (Amal Hadouch).
شكلت هذه الإقامة منبراً للتجريب وتبادل الخبرات حول توظيف الذكاء الاصطناعي في الممارسة التشكيلية، واستكشاف أشكال جديدة من التفاعل بين الحس الفني والأدوات الرقمية. وتندرج المشاركة في سياق أوسع يشهد اهتماماً متصاعداً بأثر التقنيات الحديثة في طرائق إنتاج الصورة وتطور التعبير الفني.
- البعد التربوي: الفن والتكنولوجيا في خدمة التعلم
يمتد اهتمام تيريزت بالفنون السردية والتقنيات الرقمية إلى الميدان التربوي. فقد شارك في دورة تكوينية للمكونين الجهويين في مجال الأنشطة الموازية، احتضنتها المركز الجهوي للتربية و التكوين بطنجة من 14 إلى 16 أكتوبر 2025، وتناولت المواطنة والذكاء الاصطناعي والقصة المصورة والفنون السردية.
جاءت هذه الدورة في إطار تفعيل الأنشطة لمشروع «مدارس الريادة» للموسم 2025–2026،التي نظمته الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة طنجة–تطوان–الحسيمة.
وتبرز هذه التجربة انخراطه في توظيف الفنون السردية والتعبير البصري داخل الأنشطة التربوية، واستكشاف ما يمكن أن تقدمه الصورة والحكاية والأدوات الرقمية لتنمية الممارسات الإبداعية
خاتمة
يمكن إذن قراءة تجربة تيريزت كمسار يجسد التحول من التعبير التشكيلي إلى الإنتاج البصري الرقمي، دون التخلي عن الأسس الفنية والجمالية التي يقوم عليها بناء الصورة والحكاية. وهي تجربة تذكر بأهمية التفاعل بين التكوين الفني والتكنولوجيا في تشكيل ممارسات إبداعية معاصرة متعددة الوسائط.































