اعتبر حمزة إبراهيمي، عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية للصحة العمومية ومسؤول الإعلام والتواصل، أن التحدي الحقيقي الذي يواجه إصلاح المنظومة الصحية المغربية لم يعد مرتبطا بإحداث المؤسسات وإصدار القوانين، بقدر ما يرتبط بقدرة هذه التحولات على تحسين الخدمات وضمان العلاج المنصف للمواطنين. ودعا، في هذا السياق، إلى بلورة استراتيجية قطاعية للفترة 2026-2031، تؤسس لرؤية وطنية موحدة، وتربط الاختيارات الإصلاحية بنتائج قابلة للقياس والمحاسبة.
وانتقد إبراهيمي استمرار الفجوة بين تعدد المخططات والإصلاحات المعلنة وبين محدودية آليات قياس أثرها، معتبرا أن التجارب السابقة، من استراتيجيات 2008 إلى مخطط الصحة 2025، أظهرت الحاجة إلى تجاوز التخطيط القائم على تجميع المشاريع نحو برمجة واضحة تحدد الالتزامات والتمويل والآجال. وشدد على أن معيار النجاح ينبغي أن يكون أثر السياسات الصحية على حياة المواطنين، لا حجم المنشآت والتجهيزات المحدثة.
وفي صلب هذا التصور، يضع النقابي حمزة ابراهيمي، مسألة الحكامة باعتبارها أحد الاختبارات الحاسمة للإصلاح، خصوصا في ظل الهندسة المؤسساتية الجديدة التي تضم وزارة الصحة والحماية الاجتماعية والمجموعات الصحية الترابية والهيئات المتخصصة. ويرى أن تعدد المتدخلين لن ينتج بالضرورة حكامة أفضل ما لم تقترن الاختصاصات بحدود واضحة وآليات تنسيق ومحاسبة، محذرا من أن يتحول إحداث المؤسسات إلى إعادة توزيع للتداخل الإداري بدل تحسين فعالية التدبير وجودة التكفل بالمرضى.
ويربط إبراهيمي نجاح هذه الهندسة بقدرة الدولة على جعل التغطية الصحية مدخلا إلى العلاج الفعلي، لا مجرد ضمان قانوني منفصل عن واقع العرض الصحي. فالتوسع في التأمين، بحسب أطروحته، يفقد جزءا من جدواه حين لا يواكبه تأهيل المستشفيات العمومية وتقوية الرعاية الأولية وتوفير الأدوية وتقليص آجال المواعيد. ومن ثم، يدعو إلى جعل الإنصاف في الولوج إلى العلاج أساسا لتقييم الإصلاح، مع تطوير التكامل مع القطاع الخاص بما يحد من الأعباء المباشرة التي تتحملها الأسر.
ولا يحصر ابراهيمي اختلالات المنظومة في تدبير المؤسسات، بل يربطها أيضا بضعف استباق الحاجيات الصحية والاختلالات المجالية في توزيع الموارد. ويدعو، في هذا الصدد، إلى جعل الجهوية الصحية أداة لإعادة تنظيم العرض وفق الحاجيات السكانية والوبائية، لا مجرد نقل للاختصاصات إلى المجموعات الصحية الترابية، مؤكدا ضرورة توفير الموارد والكفاءات اللازمة، مع الحفاظ على قواعد وطنية موحدة للتدبير والتقييم، تفاديا لإنتاج تفاوتات جديدة بين الجهات.
ويضع الموارد البشرية في قلب المعادلة الإصلاحية، رافضا اختزال تأهيل القطاع في البنايات والتجهيزات، في وقت يظل فيه استيعاب الكفاءات وتقليص الخصاص وتحسين ظروف العمل والحراسة والتعويضات والتحفيز شروطا أساسية لاستمرارية المرفق الصحي. ويؤكد أن مهنيي الصحة ينبغي أن يكونوا شركاء في صياغة الإصلاح وتنفيذه، لا مجرد منفذين لقراراته، بالنظر إلى ارتباط جودة الخدمات بظروف اشتغالهم واستقرارهم المهني وقدرتهم على الاستجابة لحاجيات المرضى.
ويوسع إبراهيمي نطاق الاستراتيجية المقترحة ليشمل الأمن الصحي والسيادة الدوائية، مستحضرا ما كشفته جائحة كورونا من هشاشة سلاسل التوريد وأهمية الاستعداد للأزمات. ويدعو إلى تعزيز الإنتاج الوطني للأدوية واللقاحات والمستلزمات الطبية، وتقوية اليقظة الوبائية والوقاية والصحة النفسية، مع إدماج التحولات الديمغرافية وتزايد الأمراض المزمنة وشيخوخة السكان والمخاطر المناخية ضمن أولويات التخطيط الصحي، بما يجعل الاستباق جزءا من السياسة العمومية لا تدبيراً ظرفياً للأزمات.
وأمام هذه التحديات، يدعو ابراهيمي إلى إطلاق حوار وطني تشاركي، بمساهمة الهيئات المهنية والخبراء ومؤسسات التكوين وممثلي المرضى، بالتوازي مع حوار اجتماعي مؤسساتي مع النقابات الأكثر تمثيلية. ويقترح أن ينطلق هذا المسار من تقييم المخططات السابقة وتجارب المجموعات الصحية الترابية، وصولا إلى تعاقد واضح بشأن التمويل والالتزامات ومؤشرات الأداء، مصحوب بحصيلة سنوية معلنة. ويخلص موقفه إلى أن رهان 2026-2031 لا ينبغي أن يكون استكمال إعادة تشكيل الخريطة المؤسساتية للقطاع، بل بناء مرفق صحي عمومي يستعيد ثقة المواطنين ويجعل الحق في العلاج واقعاً ملموساً.































