أمين الفياض
في حي “لوس روساليس” بمدينة سبتة، لم يعد منزل صباح حامد يشبه البيوت التي تغلق أبوابها مع حلول الليل. منذ بداية أزمة الهجرة، تحول البيت إلى ملاذ مفتوح أمام مئات المهاجرين الذين وجدوا أنفسهم عالقين في المدينة بعد موجة الدخول الجماعي التي شهدتها نهاية يوليوز المنصرم، خلف جدرانه، تتغير وظيفة المكان كل يوم؛ مطبخ يتحول إلى ورشة لإعداد الطعام، ومتطوعات يتحركن بلا توقف، ووجوه تصل مثقلة بالتعب، تبحث قبل أي شيء عن شيء بسيط، وجبة، ماء، وملابس نظيفة.
صباح حامد ليست جديدة على هذا المشهد. المرأة الإسبانية من أصل مغربي سبق أن اختبرت قسوة أزمات الهجرة، وحصلت سنة 2022 على جائزة “ماريا دي إيزا” تقديرا لعملها التطوعي خلال أزمة ماي 2021 في سبتة. هذه المرة، لم تكتفِ بتقديم المساعدة من بعيد، بل وضعت منزلها كله في مواجهة الوضع الإنساني الطارئ، واستقبلت فيه يوميا زهاء 400 شخص، معظمهم مغاربة، إلى جانب قاصرين وعائلات برفقة أطفال، بينهم من سبق له دخول المدينة خلال أزمة 2021 ثم عاد إليها من جديد.
من منتصف النهار حتى منتصف الليل، يتحول البيت إلى خلية لا تهدأ. في المطبخ تجهز الوجبات في قدور كبيرة، وفي أماكن أخرى ترتب السندويتشات والمياه والملابس والأحذية ومستلزمات النظافة. وعلى الشرفة المطلة على البحر تتحرك المتطوعات بين ما يجب إعداده وما يجب توزيعه، بينما ينتظر المهاجرون في الشارع المجاور أدوارهم للاستحمام أو الحصول على وجبة. نحو عشر متطوعات يشاركن يوميا في هذا العمل، مستندات إلى تبرعات سكان المدينة وإلى رغبة بسيطة في ألا يمر هؤلاء الأشخاص من أمام البيت وهم في حاجة إلى أبسط الضروريات.
لكن ما يبدو من الخارج كمساحة واسعة للعطاء، يخفي في الداخل تعبا يتراكم مع كل يوم جديد. تقول حامد: “نحن منهكون”، ثم تضيف أن الكميات التي تتوفر يوميا، رغم ضخامتها، “لا تكفي” أمام الحاجة المتزايدة. فكلما امتلأت القدور، ظهرت وجوه جديدة تنتظر؛ وكلما انتهت الملابس أو الأحذية أو مستلزمات النظافة، بقيت حاجات أخرى لم تجد طريقها إلى التلبية. هنا لا توجد مخازن لا تنفد، ولا إمكانات بلا حدود، بل بيت واحد يحاول أن يستوعب أزمة أكبر بكثير من قدرته.
أقسى لحظات هذا البيت ربما لا تكون حين ينتهي الطعام، وإنما حين تصل فتيات باكيات يطلبن مكانا للنوم، فتضطر حامد إلى الاعتذار. تستطيع أن تقدم لهن الطعام والكساء ومستلزمات النظافة، لكنها لا تستطيع أن تمنحهن سريرا أو مأوى. في تلك اللحظة، يظهر الحد الفاصل بين الرغبة في إنقاذ الجميع والقدرة المحدودة على ذلك؛ فحتى البيت الذي فتح أبوابه أمام مئات المحتاجين، له جدران ومساحة لا يمكن تجاوزها، مهما كان حجم التضامن الذي يقف خلفه.
ومع ذلك، لم يتوقف دور المنزل عند الإغاثة اليومية. فقد أصبح أيضا نقطة تنسيق إنسانية للبحث عن فتيات يعتقد أن أسرهن تبحث عنهن على الجانب الآخر من الحدود. تجمع الصور وتنشر رسائل البحث عبر مجموعات التواصل، ضمن شبكة من النساء المتطوعات في أحياء “لوس روساليس” و”الأمير” و”الرينا”. وبين وجبة وأخرى، وقطعة ملابس وأخرى، يجد هذا البيت نفسه يؤدي وظيفة مختلفة، محاولة إعادة وصل أشخاص انقطعت أخبارهم عن عائلاتهم، وتحويل شبكة التضامن النسائية إلى وسيلة للبحث عن المفقودات.
في نهاية اليوم، حين يتراجع تدفق الناس ويقترب موعد إغلاق البيت، لا تنتهي الحكاية بالضرورة. تبقى آثار النهار في المطبخ، وفي الملابس التي جرى توزيعها، وفي الأواني التي استخدمت لإطعام مئات الأشخاص، وفي التعب الذي حملته المتطوعات معهن. وبينما تستعد سبتة لليوم التالي، يبقى منزل صباح حامد شاهدا على وجه آخر لأزمة الهجرة؛ وجه لا تختصره أرقام الوافدين ولا مشاهد الحدود، بل تختصره امرأة قررت أن تفتح باب بيتها، ثم اكتشفت أن وراء الباب أزمة أكبر من بيت واحد، وأن التضامن يستطيع أن يخفف الألم، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنح الجميع مكانًا للنوم.

























